التفاسير

< >
عرض

إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ
١٠٩
فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ
١١٠
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ
١١١
قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ
١١٢
قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ
١١٣
قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
١١٤
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ
١١٥
فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ
١١٦
وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ
١١٧
وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ
١١٨
-المؤمنون

تفسير الجيلاني

أما تستحيون أيها المسرفون تذكروا ما أنتم عليه {إِنَّهُ} أي: إن شأنكم وأمركم في دنياكم {كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ} خُلّص {عِبَادِي يَقُولُونَ} متضرعين متحننين نحونا راجعين العفو والرحمة منا بقولهم: {رَبَّنَآ} كما ربيتنا بأنواع الكرم {آمَنَّا} وصدقناك بالربوبية والألوهية {فَٱغْفِرْ لَنَا} ذنوبنا واستر لنا عيوبنا {وَٱرْحَمْنَا} تفضلاً علينا وامتناناً {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ} [المؤمنون: 109] إذ رحمتك بنا لا تُعَلَّلُ بغرضٍ منك وعوضٍ منا.
ومتى سمعتم مناجاتهم هذه، ودعاءهم هذا {فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً} وصرتم مستهزئين بأقوالهم وأعمالهم، متمادين في الهزء والسخرية، متوغلين في الغفلة والغرور {حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ} جهلَكم وغفلَتكم {ذِكْرِي} والتوجه نحوي، والرجوع إليِّ بل صرتم غافلين ذاهلين، محرومين عن كمال الإنسان، منحطين عن رتبة الخلافة، مستحقين لأنواع السخرية والضحكة {وَ} مع ذلك {كُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ} [المؤمنون: 110] مع أنهم ساعون نحونا، سالكون في طريق توحيدنا، طالبون الوصول إلى ما هم جبلوا لأجله.
لذلك {إِنِّي} من كما لطفي وإشفاقي معهم {جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ} أحسن انلجزاء {بِمَا صَبَرُوۤاْ} على أذاكم أيها الجاهلون في النشأة الأولى، وهم بسبب صبرهم وتمكنهم على أذاكم في دنياكم حفظاً لدينهم وإيمانهم {أَنَّهُمْ} القوم {هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ} [المؤمنون: 111] المقصورون على الفوز والفلاح إلى ما هو النجاة و النجاح، بـ
{ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [البقرة: 38].
وبعدما صاروا مخلَّدين مؤبَّدين في النار، صاغرين مهانين فيها {قَالَ} قائلُ من قِبَل الحق على سبيل التوبيخ والتقريع إظهاراً لقبح استبدالهم، واختيارهم الأدنى بدل الأعلى: {كَمْ لَبِثْتُمْ} أيها الضالون المسرفون {فِي ٱلأَرْضِ} التي كنت تستكبرون عليها خيلاءَ مغرورين {عَدَدَ سِنِينَ} [المؤمنين: 112] أي: كم مدةً وسنةً استقررتم عليها متفوهين؟!.
{قَالُواْ} مستقصرين مستحقرين: {لَبِثْنَا} عليها {يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} أي: بل بعض يوم بالنسبة إلى هذه الأيام الطوال التي كنا فيها مذنبين، بل نسينا نحن مدة ما كنا عليها لغاية قصرها ولا نقدر عليها {فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ} [المؤمنون: 113] المعاصرين بنا من أهل القبول والسرور، والموكَّلين علينا من الموكلين علينا من الملائكة، المستحضرين لأعمارنا وأعمالنا وجميع ما كنا عليها من الأحوال.
{قَالَ} القائل المذكور في جوابهم تصديقاً لهم في مقالهم واستقلالهم: {إِن لَّبِثْتُمْ} أي: ما لبثتم فيها {إِلاَّ قَلِيلاً} قصيراً في غاية القلة والقصر {لَّوْ أَنَّكُمْ} أيها الضالون المسرفون {كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون: 114] في أنفسكم طول مدة العذاب وعدم تناهيها، لما اخترتم لأنفسكم ما يستجلب عليكم العذاب ويوقعكم فيه، ومع جهلكم هذا لم تقبلوه من الأنبياء العارفين الهادين أيضاً، بل أنكرتم عليهم واستهزأتم مستكبرين مستنكرين.
{أَ} تزعمون أيها الجاهلون المعاندون أن أفعالنا خاليةُ عن الحكمة والمصلحة ومقدوراتنا صدرتْ عنا حشواً بلا طائلٍ {فَحَسِبْتُمْ} وظننتم بل جزمتم وأيقتنم {أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ} وأظهرناكم من كتم الع دم {عَبَثاً} أي: عابثين ساعين فيها بلا طائلٍ مرتكبين لهم بلا حِكَمِ ومصالحَ {وَ} أيضاً ظننتم أيها الغافلون الجاهلون {أَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115] للجزاء وتنقيد الأعمال وعرض الأحوال.
وكيف لا تُرجون إلى ربكم أيها المجرمون، وكيف عن أعمالكم لا تُسألون أيها المسرفون ولا تحاسبون؟! {فَتَعَالَى ٱللَّهُ} المحيط للكل حضوراً وشهوداً أن يتصف ذاته بالغفلة والذهول، وأوصافه بعدم الحيطة والشمول، وأفعاله بالعبث والفضول؛ إذ هو {ٱلْمَلِكُ} المستحضِر لجميع مماليكه، لا يعزب عنه مثقال ذرةٍ في الأرض ولا في السماء، وكيف يعزم ويغيب عنه شيء من الأشياء؛ إذ هو {ٱلْحَقُّ} الثابت المحقق والقيوم المطلق المثبت، لا يشغله شأُ عن شأنٍ، وهو في شأنٍ لا يعرضه شأن، ولا يعتريه زمانُ ومكانُ بل الشئون كلها مندرجةُ في علوٍّ شأنه؛ إذ {لاَ إِلَـٰهَ} في الوجود {إِلاَّ هُوَ} لأنه {رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ} [المؤمنون: 116] المحيط لذرائر الكائنات، وهو الوجود العيني الظلي الكامن الفائض من حضرة القدوس على هياكل العكوس.
{وَ} بعدما تحقق أن الكل في حيطة أوصافه وأسمائه، ومن أضلاله، وتحت لوائه {مَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ} المحيط للكل {إِلَـهَا آخَرَ} من الأضلال المحاطة والعكوس الساقطة مع أنه {لاَ بُرْهَانَ لَهُ} يثبت به وجود إله آخر سواه، بعدما شمل سواه سبحانه الكل وأحاط {بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ} أي: حساب المدعي، وجزاء ما ادعى من الشرك {عِندَ رَبِّهِ} يجازيه على مقتضى علمه {إِنَّهُ} أي: إن الشأن والأمر عنده سبحانه إنه {لاَ يُفْلِحُ} ولا يفوز {ٱلْكَافِرُونَ} [المؤمنون: 117] بكفرهم وشركهم إلى ما هو موجبُ للفلاح والنجاح؟
{وَ} بعدما أثبت سبحانه الفلاحَ للمؤمنين الموحِّدين في أول السورة، ونفاه عن الكافرين المشركين في أخرها {قُل} يا أكمل الرسل تعليماً لكل من يقتدي بك ويقتفي أثرك، وتنبيهاً عليه وتذكيراً لهم: {رَّبِّ} يا من رباني بكنفك وجوارك {ٱغْفِرْ} واستر أنانيتي عن عين بصيرتي {وَٱرْحَمْ} عليّ بنفي هويتي وإفنائها في هويتك {وَأنتَ} بذاتك وأسمائك وصفاتك {خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ} [المؤمنين: 118] الذين هم أيضاً من مقتضيات أوصافك وعكوس أسمائك، والكل بك منك، ولا راحم سواك، ولا مربي غيرك.
خاتمة السورة
عليك أيها المحمدي، المتحقق بمقام العبودية أن تلازم على هذه الكلمة التي أسمعَك الحق على لسان نبيك وتداومَ عليها، سيما في خلواتك وأعقاب صلواتك، عازماً عليها، سامعاً لها سمعَ قبولٍ ورضا، حتى يترسخ في قلبك، وتتمرن فيه إلى حيث نطقت حالك بها بلا ترجمان من لسانك.
ومتى تحققتَ وتمكنتَ في هذه المرتبة أتممت مرتبة العبودية، فلك بعدما كملت عبوديتك الترقي منها بتوفيق الله، وجذبٍ من جانبه إلى مرتبة الفناء في الله والبقاء ببقائه.
وذلك لا يتم إلا باضمحلال هويتك، وتلاشي بشريتك وماهيتك إلى حيث سقطت عنك تعيناتك رأساً، وفنيت تشخصاتك جملةً، وحينئذٍ فزتَ بما فزتَ، ووصلتَ بما وصلتَ، وليس وراء الله مرمى ولا منتهى.