التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
٤٣
وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ
٤٤
وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ
٤٥
وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
٤٦
-القصص

تفسير الجيلاني

{وَ} بعدما نبذنا فرعون وجنوده في اليم {لَقَدْ آتَيْنَا} وأعطينا من كمال جودنا {مُوسَى ٱلْكِتَابَ} أي: التوراة الجامعة لظواهر الأحكام {مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ} واستأصلنا آثارهم وأحكامهم، بحيث لم يبقَ من شرائع المتقدمين وآثارهم وأحكامهم شيئاً بين الأنام، كنوح وهود وصالح وإبراهيم؛ وإنما آتيناه ليكون {بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ} أي: ينوروا بأحكامه وأوامره عيون بصائرهم، ويستيقظوا من منام الجهل والغفلة، ويشتغلوا بطلب الحق.
{وَهُدًى} يهديهم إلى سلوك مسالك التوحيد {وَرَحْمَةً} يبشرهم إلى البقاء الأبدي السرمدي بعد انخلاعهم عن خلع تعيناتهم العدمية، والإفناء عن هوياتهم الباطلة {لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 43] رجاء أن يتذكروا ويتنبهوا من المواعظ والأحكام التي ذُكرت فيه إلى جُبلوا لأجله من المعارف والحقائق والرموز، والإشارات والمكاشفات والمشاهدات.
ثمَّ لمَّا قصَّ سبحانه على حبيبه صلى الله عليه وسلم ما قصَّ من قصة موسى الكليم، وكيفية انكشافه من النار الموقدة على الشجرة، وكيفية عروجه مترقياً من العلم إلى العين ثمَّ إلى الحق، أراد أن يمن عليه سبحانه بما اصطفاه وفضله من بين البرايا على الرسالة العامة، وأخبره من المغيبات بطريق الوحي والإلهام ما ليس في وسعه، لولا وحيه وإلهامه سبحانه إياه، فقال: {وَمَا كُنتَ} يا أكمل الرسل حين انكشف موسى بالواد المقدس، وشهد من فضل الله عليه ما شهد { بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ} أي: الوادي الذي على شفيرها الشجرة بالطرف الغربي من مقام موسى؛ أي: ما كنت حاضراً عنده {إِذْ قَضَيْنَآ} وأوحينا {إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ} الذي هو مطلوبه الحقيقي من مطلوبه الصوري {وَمَا كنتَ} حينئذٍ {مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ} [القصص: 44] الحاضرين المطلعين على شأنه وشهوده.
{وَلَكِنَّآ} من كمال لطفنا وجودننا أخبرناك بما جرى بينه وبيننا في تلك الليلة، كما أخبرنا لك أحوال أمم {أَنشَأْنَا} من بعد موسى ومن قبلك {قُرُوناً} أي: زماناً متطاولة ومدة بعيدة {فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ} ومكثوا في الدنيا كثيراً، ودار بينهم الدول الحول وحدثت الفتن والمحن، ووقعت التغييرات والتحريفات في الشرائع والأديان، واندست معالم الهدى، وفشا الجدال والطغيان، واستولت الهوية الفاسدة والآراء الباطلة على أهل الزمان، فأخبرنا لك في كتابك هذا من وقائعهم؛ لتكون تذكرة لك، وعبرة للمؤمنين بك.
{وَمَا كُنتَ} أيضاً يا أكمل الرسل {ثَاوِياً} مقيماً {فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ} شعيب عليه السلام {تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} الدالة على كمال القسط والعدالة بلسان شعيب عليه السلام حين انحرفوا عن جادة الاعتدال في المكيلات والموزونات، واشتغلوا بالبخص والتطفيف وأنواع التنقيص والتخسير {وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} [القصص: 45] مخبرين لك، موحين إليك ما جرى عليهم الأحوال.
{وَمَا كُنْتَ} أيضاً حاضراً {بِجَانِبِ ٱلطُّورِ} الذي هو موعد موسى وقت {إِذْ نَادَيْنَا} موسى لأخذ التوراة ووحينا إليه {وَلَـٰكِن} علمناك به؛ لتكون {رَّحْمَةً} لك نازلة إليك {مِّن رَّبِّكَ} تأييداً لك، وتقويةً لشأنك، بل إنما أوحينا ما أوحيناك {لِتُنذِرَ} به {قَوْماً} بقوا على فترة من الرسل؛ إذ {مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ} من لدن عيسى عليه السلام، وهي خمسمائة وخمسون سنة، أو إسماعيل عليه السلام بناءً على أن دعوة أنبياء بني إسرائيل مختصة بهم لا يتعدى إلى غيرهم {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 46] يتعظون بما في كتابك، ويتنبهون بما في حكمه وأحكامه إلى مبدئهم ومعادهم، ويفوزون منها إلى المعارف الحقائق التي جُبلوا لأجلها.