التفاسير

< >
عرض

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ
١٤
قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ
١٥
ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ
١٦
ٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْمُنْفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ
١٧
شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
١٨
-آل عمران

تفسير الجيلاني

{زُيِّنَ} حبب وحسن {لِلنَّاسِ} المغرورين بزخرفة الدنيا {حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ} أي: مشتهياتها المنحصرة أصولها في هذه المذكورات {مِنَ ٱلنِّسَاءِ} اللاتي هن لمن اشتهاها؛ إذ هو للوقاع الذي هو من ألذ الملذات النفسانية {وَٱلْبَنِينَ} للمظاهرة والمفاخرة والغلبة على الخصوم {وَٱلْقَنَاطِيرِ} الأموال الكثيرة {ٱلْمُقَنْطَرَةِ} المجتمعة المزخرفة {مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ} لكونها وسائل إلى المشتهيات التي مالت القلوب إليها بالطبع {وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ} المعلمة المنسوبة إليهم ليركبوها ويبطروا عليها {وَٱلأَنْعَامِ} من الإبل والبقر والغنم ليحملوها، ويأكلوا منها ويزرعوا بها {وَٱلْحَرْثِ} ليقتاتوا بها ويعيشوا بأكملها {ذٰلِكَ} الأصول المذكورة {مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} الفانية المانعة من الوصول إلى الجنة، الماوى التي هي دار القرار والخلود، وموعد لقاء الخلاق الودود {وَٱللَّهُ} الهادي إلى سبيل الصواب {عِنْدَهُ} لمن توجه نحوه واستقبل جنابه {حُسْنُ ٱلْمَآبِ} [آل عمران: 14] وخير المنقلب والمئاب.
{قُلْ} يا أكمل الرسل للمؤمنين، للمخلصين في عبادة الله، الراغبين إلى جزيل عطائه، الطائرين إلى فضاء فنائه، الطالبين الوصول إلى شرف لقائه، الفانين في الله؛ ليفوزوا بشرف بقائه تحريكاً لهم سلسة الشوق والمحبة {أَؤُنَبِّئُكُمْ} أيها الحيارى في صحارى الإمكان، الموثقون بقيود الأكوان، المحبوسون في مضيق الجدران بسلاسل الزمان والمكان {بِخَيْرٍ} مراتب {مِّن ذٰلِكُمْ} الذي ملتم إليها واشتهيتم إلى نيلها في هذه النشأة، حاصل واصل إليكم في النشأة الأخرى {لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا} منكم عن محارم الله وتوجهوا إلى الله في الدنيا، ولم يرتكبوا ما نهاهم الله على ألسنة رسله {عِندَ رَبِّهِمْ} الذي رباهم بتوفيقه على ترك المحظورات واجتناب المكروهات {جَنَّاتٌ} معراف وحقائق {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} أنهار الكشوف والشهود {وَأَزْوَاجٌ} أعمال وحالات {مُّطَهَّرَةٌ} خالصة عن كدر الرعونة والرياء خالية عن الميل إلى البدع والأهواء {وَ} مع ذلك لهم {رِضْوَانٌ} عظيم {مِّنَ ٱللَّهِ} ليحققهم في مقام العبودية والرضاء بما جرى عليهم من القضاء، بحيث لا ينسبون شيئاً من الحوادث إلى الأسباب والوسائق، بل لا يرون الوسائط في البين أصلاً {وَٱللَّهُ} الهادي للكل {بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} [آل عمران: 15] الراضين بقضائه، المرضيين بإنفاذه وإمضائه؛ يعني:
{ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ} بألسنتهم موافقاً لما في قلوبهم عند مناجاتهم مع ربهم {رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا} بمقتضى توفيقك بوحدانيتك وبكتبك ورسلك {فَٱغْفِرْ لَنَا} بلطفك {ذُنُوبَنَا} التي صدرت عنا من أنانيتنا واستر عيوبنا التي كنا عليها قل انكشافنا بتوحيدك {وَقِنَا} بلطفك، واحفظنا بفضلك {عَذَابَ ٱلنَّارِ} [آل عمران: 16] المعد لأصحاب البعد الخذلان عن ساحة عز حضورك، واجعلنا بفضلك من:
{ٱلصَّابِرِينَ} على عموم ما أصابهم من البأساء والضرءا في طريق توحيدك {وَٱلصَّادِقِينَ} عن الكذب مطلقاً في أقوالهم المعتبرة، المعربة عن أفئدتهم المطمئنة بالإيمان {وَٱلْقَانِتِينَ} الخاضعين الخاشعين إليك بظواهرهم وبواطنهم {وَٱلْمُنْفِقِينَ} من طيبات ما رزقت لهم؛ طلباً لمرضاتك بلا شوب المنة والأذى {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ} لك الخائفين من سخطك وجلالك، الراجين العفو من عموم أوقاتهم خصوصاً {بِٱلأَسْحَارِ} [آل عمران: 17] الخالية عن جميع الموانع العائقة عن التوجه إلى جنابك الشاهدين بوحدانيتك بما: {شَهِدَ ٱللَّهُ} به لذاته، وهو {أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ} أي: لا موجود ولا وجود ولا كون ولا تحقق ولا كائن ولا ثابت {إِلاَّ هُوَ} الحي الحقيق بالحقية، الوحيد بالقيومية، الفريد بالديمومية، لا شيء سواه {وَ} بما شهد بوحدته {ٱلْمَلاَئِكَةُ} أي: الأسماء والصفات القائمة بالذات الأحدية؛ إذ الكل قائم به ثابت له لا مرجع لها سواه {وَ} بما شهد به {أُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ}من مظاهر المخلوقات على صورته المتأثرة من أوصافه وأسمائه، وإن كانت شهادة كل منها راجعة إلى شهادته؛ لكون الكل {قَآئِمَاً} مقوماً متحققاً {بِٱلْقِسْطِ} أي: العدل الإلهي المنبسط على ظواهر الكائنات أزلاً وأبداً؛ إذ {لاَ إِلَـٰهَ} أي: لا مظهر لها {إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب القادر على إظهارها {ٱلْحَكِيمُ} [آل عمران: 18] المتقن في تربيتها وتدبيرها، القائلين طوعاً ورغبة بعدما تحققوا بمقام العبودية: