التفاسير

< >
عرض

قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
٢٦
تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
٢٧
لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ
٢٨
-آل عمران

تفسير الجيلاني

{قُلِ} يا أيها المتحقق بمقام الشهود الذاتي، المكاشف بوحدة الحق دعاء صادراً من لسان مرتبتك الجامعة الشاملة لجميع المراتب {ٱللَّهُمَّ} يا {مَالِكَ ٱلْمُلْكِ} أي: المتصرف المستقبل في مظاهر ذاتك {تُؤْتِي} تعطي وتكشف بلطفك {ٱلْمُلْكَ} أي: التوحيد الذاتي {مَن تَشَآءُ} من خواص مظاهر صفاتك وأسمائك {وَتَنزِعُ} تمنع وتستر بقهرك {ٱلْمُلْكَ} المذكور {مِمَّنْ تَشَآءُ} من عوامهم؛ تتميماً لمقتضيات أوصاف جمالك وجلالك {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ} بالوصول إلى فضاء فنائك {وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ} وراء حجاب سرادقات جلالك، وبالجملة: {بِيَدِكَ} وقدرتك وسلطانك ومشيئتك وإرادتك {ٱلْخَيْرُ} أي: كله الوجود، وظهوره على أنحاء شتى {إِنَّكَ} بذاتك {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من مظاهر وجودك {قَدِيرٌ} [آل عمران: 26] لا تنتهي قدراتك أصلاً.
ومن جملة مقدوراتك: إنك {تُولِجُ} تدخل وتدرج {ٱللَّيْلَ} أي: العدم {فِي} صورة {ٱلْنَّهَارِ} أي: الوجود إظهاراً لقدرتك وجمالك {وَتُولِجُ} أيضاً {ٱلنَّهَارَ} نور الوجود {فِي ٱلْلَّيْلِ} أي: مشكاة العدم؛ إظهاراً لقدرتك وجلالك {وَتُخْرِجُ} تظهر {ٱلْحَيَّ} والحق الحقيق مع غاية صفائها وظهورها {مِنَ ٱلْمَيِّتِ} العدم الأصلي الذي هو مرآة التعينات {وَ} أيضاً {تُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ} أي: العدم الجامد الذي ما شم رائحة الحياة أصلاً بامتداد أضلال أسمائك وصفاتك عليه {مِنَ ٱلْحَيِّ} الذي لا يموت أبداً وهو ذاتك {وَتَرْزُقُ} بلطفك {مَن تَشَآءُ} من مظاهرك من موائد فضلك وإنعامك ونوال جودك وإحسانك {بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 27] تفضلاً لهم وامتناناً عليهم بلا مظاهرة أحد.
هب لنا بلطفك من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
ثم لما بين سبحانه أن الهداية إلى طريق التوحيد والإضلال عنه بقدرته واختياره، يؤتي ملك توحيده من يشأ من عباده ويمنعه عمن يشاء، أراد أن ينبه على خلص توحيد عباده ما يقربهم إلى الهداية ويبعدهم عن الضلا فقال تحذيراً لهم: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} المتوجهون نحو توحيد الذات، الطالبون إفناء ذواتهم في ذات الله، لخوضوا في لجج بحر التوحيد، ويفوزوا بدرر المعارف والحقائق الكامنة فيها {ٱلْكَافِرِينَ} الساترين بهوياتهم الكثيفة المظلة نور الوجود {أَوْلِيَآءَ} ولا يصاحبون معهم، ولا يجالسون موالاة لهم ومؤخاة معهم لقرابة طينية وصداقة جاهلية، مع كوهم خالين معهم {مِن دُونِ} حضور {ٱلْمُؤْمِنِينَ} الماظهرين لهم؛ لئلا يسري كفرهم ونفاقهم إليهم؛ إذ الطبائع تسرق والأمراض تسري، سيما الكفر و الفسوق؛ إذ الطبائع مائلة إليها {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} ولم يترك مصاحبتهم ولا موالاتهم {فَلَيْسَ مِنَ} ولاية {ٱللَّهِ} وطريق توحيده {فِي شَيْءٍ} بل ملحق بهم معدود من عداوتهم بل أسوءهم حالاً وأشدهم جرماً عند الله بعدما نهاهم الله ولم ينتهوا {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ} وتخافوا {تُقَـٰةً} توجب الموالات المصاحبة ضرورة من إتلاف النفس المال والعرض، وعند ذلك المحذور موالاتهم جائزة ومؤاختهم معذورة مداهنة ومداراة {وَ} مع وجود تلك الضرورة المستلزمة للموالاة الضرورةي {يُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} أي: يحذركم يا أهل العزائم عن نفسه على وجه المبالغة، حتى لا تأمنوا عن سخطه ولا تغفلوا عن غضبه، ولا تميلوا عنه سبحانه بارتكاب ما نهيتم عنه {وَ} اعلموا أن المحذورات كلها راجعة {إِلَىٰ ٱللَّهِ} إيجاداً وإظهاراً؛ إذ إليه {ٱلْمَصِيرُ} [آل عمران: 28] في الخير والشر والنفع والضر، لا مرجع سواه ولا منتهى إلا إياه.