التفاسير

< >
عرض

إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
٥٥
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ
٥٦
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ
٥٧
ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ
٥٨
-آل عمران

تفسير الجيلاني

اذكر يا أكمل الرسل {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ} إعلاماً لعيسى عليه السلام حين هموا بقتله وعينوا من اغتال عليه وهو غافل عن كيدههم: {يٰعِيسَىٰ إِنِّي} بغلبة لاهوتيتي عليك {مُتَوَفِّيكَ} مصفيك عن ناسوتيتك المانعة عن الوصول إلى مقر العز {وَ} بعد تصفيتك عن كدورة ناسوتيتك {رَافِعُكَ} بعد ارتفاع موانعك {إِلَيَّ} إذ لا مرجع لك غيري {وَ} بعد رفعك {مُطَهِّرُكَ} ومزكيك {مِنَ} حجاب {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} ستروا بغيوب أنانتيك الباطلة شمس الذات الظاهرة على جميع الذرات {وَ} إني بعد رفعك إليَّ {جَاعِلُ ٱلَّذِينَ} آمنوا بك و{ٱتَّبَعُوكَ} في جميع ما جئت به لإصلاح حالهم {فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: أعلى رتبة وأشرف منزلة ومكانة {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} بحيث { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ } [البقرة: 61] ولهم عذاب أليم.
وبعد ظهور عيسى عيه السلام لم يتفق غلبة اليهود أصلاً، بل كانوا منكوبين منكوسين دائماً إلى الآن {ثُمَّ} قال سبحانه بلسان التوحيد على وجه التنبيه لعيسى ولمن آمن له، ولمن أنكر عليه وكفر: {إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} جميعاً في النشأة الأخرى أيها المختلفون في أمر الدين والإطاعة والإيمان والكفر في النشأة الأولى {فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} بعد رجوعكم إليَّ {فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [آل عمران: 55] لعى مقتضى علمي وإرادتي.
ثمَّ فصل سبحانه حكمه بقوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} ستروا سبيل الحق الظاهر عن مشكاة النبوة والرسالة؛ عناداً واستكباراً، وكذبوا الأنبياء، وأنكروا ما جاءوا من الأحكام والمواعظ والحكم والعبر وأصروا عليها {فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} أطردهم وأبعدهم {فِي ٱلدُّنْيَا} بالمذلة والصغار والإجلاء وضرب الجزية {وَ} في {ٱلآخِرَةِ} بجهنم البعد والخذلان، وسعير الطرج والحرمان {وَمَا لَهُمْ} بعد ظهور الدين الناسخ للأديان المارضية {مِّن نَّاصِرِينَ} [آل عمران: 56] من الأنبياء الذين يدعون الإيمان بهم، ويدعونهم بدينهم وكتابهم، ينصرونهم وينقذونهم من عذاب الله؛ لتركهم العمل بالناسخ.
{وَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُوا} بالدين الناسخ والكتاب الناسخ، واتبعوا النبي الذي جاء به من عند ربه {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المأمورة فيه؛ انقياداً وامتناناً {فَيُوَفِّيهِمْ} أي: في النشأة الأخرى {أُجُورَهُمْ} أي: يوفي عليهم أجور أعمالهم بأضعاف ما عملوا؛ تفضلاً عليهم بمحبة الله إياهم بسبب امتثال أوامره وإطاعة رسله {وَٱللَّهُ} الهادي للعباد {لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} [آل عمران: 57] الخارجين عن حدوده المنزلة على رسله، المكاشفين تحقيق توحيده، وما يحصل لهم الظلم والخروج إلا بمتابعة عقولهم السخيفة بظلام الموهم المفضل عن الطريق المستبين.
{ذٰلِكَ} المذكور من نبأ عيسى عليه السلام وغيره الذي {نَتْلُوهُ عَلَيْكَ} يا أكمل الرسل مع كونك خالي الذهن عنه ولم تتعلم من معلم بشري، والحال أنك أمي، إنما هي {مِنَ الآيَاتِ} المنزلة عليك من عندنا الدالة على نبوتك ورسالتك {وَ} من {ٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ} [آل عمران: 58] الكلام المجيد المحكم المشتمل على الحكم المتقنة والأحكام المبرمة الصادرة عن محض الحكمة، لا يأتيه الباطل ولا يقربه النسخ والتبديل.