التفاسير

< >
عرض

إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ
٥٩
ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ
٦٠
فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ
٦١
إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٦٢
فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِٱلْمُفْسِدِينَ
٦٣
-آل عمران

تفسير الجيلاني

ثم قال سبحانه: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ} أي: شأنه وقصته الغريبة الخارقة للعادة، وهي وجوده بلا أب {عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ} كشأن {ءَادَمَ} في إبداعه سبحانه وإيجاده، بل قصة آدم أغرب من قصته؛ إذ لا أب له ولا أم بل {خَلَقَهُ} قدَّه وصوَّره سبحانه {مِن تُرَابٍ} جماد {ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن} بشراً حياً {فَيَكُونُ} [آل عمران: 59] بالفور حيواناً ذا حس وحركة إرادية وإدراك وفهم.
هذا الكتاب المتلو عليك يا أكمل الرسل هو {ٱلْحَقُّ} المطابق للواقع، النازل إليك؛ لتأييدك ونصرك في دعواك الرسالة {مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ} في حقيته {مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ} [آل عمران: 60] الشاكين بمقتضى عقولهم السخيفة.
{فَمَنْ حَآجَّكَ} جادلك وخاصمك {فِيهِ} أي: في أمر عيسى وشأنه من النصارى {مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} المستنبط من الكتاب المنزل من عندنا، المبين لشأنه وإيجاده بلا أب {فَقُلْ} لهم حين خاصموك {تَعَالَوْاْ} هلموا أيها المجادلون المدَّعون ابنية عيسى لله، المفرطون في أمره {نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ} ونجتمع بعد ذلك في مجمع عظيم {ثُمَّ نَبْتَهِلْ} أي: نتباهل بأن يتضرع ويدعو كلٍّ منَّا ومنكم إلى الله {فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61] حتى يظهر الصادق من الكاذب، ويتميز الحق عن الباطل.
"روي أنهم لما دعو إلى المباهلة، قالوا: حتى ننظر ونتأهل، فلما خلوا مع ذي رأيهم قالوا: ما ترى في هذا الأمر؟ قال: والله، لقد عرفتم أنه هو النبي الموعود في كتابكم، ولقد جاءكم بالفصل في أمر صاحبكم، والله، ما باهل قوم نبياً إلا هلكوا، فإن أبيتم إلا إلف دينكم، فوادعوا الرجل وانصرفوا.
فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غدا محتضناً الحسين، آخذاً بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعلى خلفها وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمِّنوا، فقال أسقفهم: يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزسل جبلاً من مكانه لازاله، فلا تباهلوا فتهلكوا، فأذعنوا للرسول صلى الله عليه وسلم، وبذلوا الجزية ألفي حُلة حمراء وثلاثين درعاً من حديد، فقال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو باهلوا لمسخوا قردة وخنازير، ولا ضطرم عليم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران، وأهله حتى الطير على الشجر"
.
قل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا: {إِنَّ هَـٰذَا} المذكور من نبأ عيسى ومرميم عليهما السلام {لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ} المطابق للواقع {وَ} لا تكفروا بابنية عيسى لله وزوجية مريم، ولا تقولوا بالتثليث والأقانيم؛ إذ {مَا مِنْ إِلَـٰهٍ} معبود بالحق في الوجود {إِلاَّ ٱللَّهُ} الواحد الأحد الصمد الذي { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } [الإخلاص: 3] ولم يتخذ صاحبة ولا ولداً {وَإِنَّ ٱللَّهَ} الحق الحقيق بالحقية، المتصف بالديمومية، المتحد بالقيومية {لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب القادر، القاهر للأغيار مطلقاً {ٱلْحَكِيمُ} [آل عمران: 62] في إظهارها على مقتضى إرادته واختياره.
{فَإِن تَوَلَّوْاْ} أعرضوا عن الحق بعدما ظهر دلالته وشواهده أعرض عنهم ولا تجادل معهم {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المنتقم لمن أعرض عن سبيله {عَلِيمٌ بِٱلْمُفْسِدِينَ} [آل عمران: 63] الذين يفسدون في الأرض بإفساد عقائد ضعفاء العباد بالإعراض عن طريق الحق، والإلحاد عن الصراط المستقيم.