التفاسير

< >
عرض

مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً
٤٠
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً
٤١
وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً
٤٢
هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً
٤٣
تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً
٤٤
-الأحزاب

تفسير الجيلاني

ثمَّ لمَّا عيَّر الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه تزوج زوجة ابنه ودعيه، وهو زيد ردَّ الله عليهم تعييرهم هذا وتشنيعهم فقال: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} أيها الأجانب من المؤمنين على الحقيقة سواء كان زيداً أو غيره؛ حتى تسري حكم الحرمة في تزويج زوجته بعدما قضى الوطر عنها {وَلَـٰكِن} كان صلى الله عليه وسلم {رَّسُولَ ٱللَّهِ} الهادي لعباده أرسله إليكم؛ ليهديكم إلى طريق الرشاد على مقتضى سنته المستمرة في الأمم السابقة {وَ} لكن من شأنه أنه صار {خَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ} وختم المرسلين؛ إذ ببعثته صلى الله عليه وسلم كملت دائرة النبوة وتمت جريدة الرسالة، كما قال: "بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ، وقال تعالى: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] أي: ببعثته صلى الله عليه وسلم.
والسر فيه والله أعلم: إنه صلى الله عليه وسلم بُعث على التوحيد الذاتي، وسائر الأنبياء إنما بعثوا على التوحيد الوصفي والفعلي، وبعدما بُعث صلى الله عليه وسلم على توحيد الذات خُتم به أمر البعثة والرسالة، وكمُل أمر الدين؛ إذ ليس وراء الذات مرمى ومنتهى {وَكَانَ ٱللَّهُ} المطلع على جميع ما ظهر وبطن {بِكُلِّ شَيْءٍ} جرى أو يجري في ملكه {عَلِيماً} [الأحزاب: 40] يعلم بعلمه الحضوري جميع ما لمع عليه نور وجوده، حكيماً في بعثة الرسل في تنبيه من وفقه وجبله في سابق قضائه على فطرة التوحيد والإيمان، مختاراً في ختم البعثة وتكميل الدين بعدما وصل غاية كماله وظهوره.
{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله، وعرفوه حق معرفته وتوحيده، وكمال أسمائه وصفاته مقتضى إيمانكم وعرفانكم: المداومة على ذكره {ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} الواحد الأحد، الفرد الصمد، المتصف بجميع أوصاف الكمال، المستجمع لجميع الأسماء الحسنى التي لا تُعد ولا تُحصى {ذِكْراً كَثِيراً} [الأحزاب: 41] مستوعباً لجميع أوقاتكم وحالاتكم، وبالغوا في ذكره؛ كي تصلوا من اليقين العلمي إلى العيني.
{وَسَبِّحُوهُ} أي: نزهوه عن جميع ما لا يليق بشأنه من لوازم الحدوث وأوصاف الإمكان {بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الأحزاب: 42] أي: في جميع آناء أيامكم ولياليكم، طالبين الترقي من اليقين العيني إلى اليقين الحقي.
وكيف لا تذكرون الله، ولا تسبحون له أيها المؤمنون، مع أن شكر المنعم المفضل واجب عقلاً وشرعاً؟! {هُوَ ٱلَّذِي} سبحانه {يُصَلِّي} ويرحم {عَلَيْكُمْ} أيها المؤمنون بذاته، وبمقتضيات أسمائه وصفاته {وَمَلاَئِكَتُهُ} يستغفرون لكم بإذنه، وإنما يفعل بكم سبحانه هذه الكرامة العظيمة {لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ} ظلمة العدم الأصلي، وظلمة الطبيعة الهيولي، وظلمة الحجبة التعينية {إِلَى ٱلنُّورِ} أي: نور الوجود البحث، الخالص على ظلمات التعينات والكثرات مطلقاً {وَكَانَ} سبحانه {بِٱلْمُؤْمِنِينَ} الموفقين على التوحيد الذاتي {رَحِيماً} [الأحزاب: 43] يوفقهم إلى الإيمان بمقتضى رحمته الواسعة، ثمَّ يصولهم إلى مرتبة التوحيد والعرفان، مترقياً من مضيق الإمكان إلى سعة فضاء الوجوب عنايةً لهم وتفضلاً عليهم، ثمَّ يشرفهم بشرف لقائه بلا كيف، ولا أين بعدما انخلعوا عن جلباب الناسوت، وتشرفوا بخلعة اللاهوت.
لذلك {تَحِيَّتُهُمْ} وترحيبهم من قِبَل الحق {يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ} سبحانه: {سَلاَمٌ} أي: تسليم وتطهير عن رذائل التعينات، ونقائص الأنانيات والهويات المستتبعة لأنواع الضلالات والجهالات {وَأَعَدَّ لَهُمْ} سبحانه نُزلاً عليهم {أَجْراً كَرِيماً} [الأحزاب: 44] وجزاءً عظيماً ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمع، ولا خطر على قلب بشر.