التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً
٥٩
لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِي ٱلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً
٦٠
مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً
٦١
سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً
٦٢
-الأحزاب

تفسير الجيلاني

ثم أشار سبحانه إلى آداب النساء، وصيانتهن عن الرجال واستحيائهن منهم؛ ليسلمن عن افتراء المفترين ورمي الرامين، فقال منادياً لحبيبه صلى الله عليه وسلم ليبلِّغ إلى أمته وأزواجه وأزواجهم أيضاً: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} المؤيد من عندنا، المبعوث إلى أرشاد البرايا ذكورهم وإناثهم {قُل لأَزْوَاجِكَ} أولاً على سبيل الشفقة والنصيحة {وَبَنَاتِكَ} أيضاً {وَ} عموم {نِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} إذا برزن لحوائجهن أحياناً {يُدْنِينَ} ويغطين {عَلَيْهِنَّ} أي: على أيديهن وأرجلهن وجميع معاطفهن {مِن} فواضل {جَلاَبِيبِهِنَّ} وملاحفهن، بحيث لا يبدو من أعضائهن شيء سوى العينين، بل عين واحدة؛ ليتميزن بها عن الإمامء والبغيات المريبات، المطمعات لأهل الفجور والفسوق {ذٰلِكَ} التستر والتغطي على الوجه الأتم الأبلغ {أَدْنَىٰ} وأقرب {أَن يُعْرَفْنَ} ويُميزن أولئك الحرائر والعفائق عن الإماء والمربيات، وبعدما عرفن {فَلاَ يُؤْذَيْنَ} ولا يفترين بهتاناً {وَكَانَ ٱللَّهُ} المطلع لما اختلج في جوانحهن {غَفُوراً} لهن بعدما تُبن إلىالله وأَنَبْنَ {رَّحِيماً} [الأحزاب: 59] يقبل توبتهن ويرحم عليهن إن أخلصن فيها.
ثم قال سبحانه مقسماً مبالغاً: والله {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ} ولم ينزجر {ٱلْمُنَافِقُونَ} المفترون الرامون عن إيذاء المؤمنات الحرائر، المصونات المحفوظات، والسرايا العفائف بعدما تحفظن وتسترن على الوجه المذكور {وَ} لم يكف عنها المتعرضون {ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} وضعف إيمان، واعتقاد وميل إلى الفسق والفجور {وَ} خصوصاً {ٱلْمُرْجِفُونَ} المجاهرون المترددون {فِي ٱلْمَدِينَةِ} بالأراجيف والأخبار الكاذبة والمفتريات الباطلة الغليظة، ويذيعونها فيها عناداً أو فساداً {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} ولنأمرنك بقتالهم وإجلائهم، ولنسلطنك عليهم بإقامة الحدود الشديدة والغريرات البليغة إلى حيث لا يمكنهم التمكن والإقامة فيها، فيضطروا إلى الجلاء {ثُمَّ} أي: بعدما وضعنا الحدود وأمرناك بإقامتها {لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ} أي: لا يستطيعون ولا يقدرون بمجاورتك في المدينة {إِلاَّ} زماناً {قَلِيلاً} [الأحزاب: 60] يستعدون فيه للبعد والجلاء والهرب من بين المسلمين والفرار عنهم.
وإلى أن يفروا ويهربوا أولئك المبعدون المطرودون حتى لا يؤاخذون ولا يؤسرون؛ إذ هم كانوا بين المؤمين {مَّلْعُونِينَ} مطرودين، مبعدين عن روح الله وكنف جوار رسوله وجوار المؤمنين؛ لكونهم مؤذين متعرضين لعورات المسلمين، الباهتين المفترين إياهن ببهتان عظيم، والموصوفين بهذه الصفات المذمومة {أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ} ووجدوا {أُخِذُواْ} وأُسروا {وَ} إن لم يمكن أسرهم {قُتِّلُواْ تَقْتِيلاً} [الأحزاب: 61] شديداً إلى حيث استؤصلوا بالمرة.
واستئصال أمثال هذه الغواة المطرودين المردودين ليس ببدع، بل {سُنَّةَ ٱللَّهِ} القدير الحكيم، القديمة المستمرة، التي سنها سبحانه {فِي} حق المؤذين المفترين {ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ} ومضوا {مِن قَبْلُ} يا أكمل الرسل {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ} المستمرة الجارية على مقتضى حكمته المتقنة {تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 62] إذ لا يبدل حكمه، ولا يغير حكمته، بل له أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.