التفاسير

< >
عرض

ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ
١
يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ
٢
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ
٣
لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
٤
-سبأ

تفسير الجيلاني

{ٱلْحَمْدُ} المحيط، المستوعب لجميع المحامد الناشئة من ألسنة عموم ما لمع عليه برق الوجود، ثابت {للَّهِ} المستجمع لجميع الأوصاف والأسماء المربية لعموم الأشياء الكائنة غيباً وشهادةً {ٱلَّذِي} ثبت {لَهُ} ملكاً وتصرفاً وإظهاراً وإعداماً وإعادةً جميع {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: علويات عالم الأسماء والصفات والأعيان الثابتة في الأزل {وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي: سفليات عالم الطبيعة المنعكسة من العلويات وما بينهما من الكوائن والفواسد التي برزت بنور الوجود على مقتضى الوجود، من مكمن العدم إلى فضاء الظهور {وَ} بعدما ثبت أن الكل منه بدأ وإليه يعود في الانتهاء، ثبت {لَهُ ٱلْحَمْدُ} والثناء الصادر من عموم ألسنة المظاهر، المتوجه نحو المظهر الموجد طوعاً لا غيره من الوسائل والأسباب العادية؛ إذ منتهى الكل إليه {فِي ٱلآخِرَةِ} كما أن مبدأه منه في الأولى، فله الحمد في الأولى والأخرى {وَ} كيف لا {هُوَ ٱلْحَكِيمُ} المتقن في أفعاله بالاستقلال بلا شريك وظهير {ٱلْخَبِيرُ} [سبأ: 1] عن كيفية اتحاد المظاهر وإعدامها، أولاًَ وآخراً، أزلاً وأبداً.
إذا هو سبحانه بمقتضى علمه الحضوري {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ} أي: ظلمة الطبيعة القابلة لفيضان الاستعدادات، الفائضة من المبدأ الفياض {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} من المعارف والحقائق الكامنة المختفية فيها على مقتضى تربية مربيها ومظهرا {وَ} كذا يعلم بعلمه الحضوري {مَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} أي: عالم الأسماء إلى أرض المظاهر والمسميات من الفيوضات والفتوحات، الشاملة لأنواع الكمالات {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} متصاعدة من المكاشفات والمشاهدات الحاصلة من تلك الفتوحات الهابطة {وَ} بالجملة: {هُوَ ٱلرَّحِيمُ} لعباده بإفاضة أنواع الكرامات بمقتضى رحمته الواسعة {ٱلْغَفُورُ} [سبأ: 2] لذنوب أنانياتهم وتعيناتهم الباطلة بعدما رجعوا إليه وتوجهوا نحوه تائبين آيبين مخلصين.
رزقنا الله الوصول إلى محل القبول.
{وَ} بعدما أخبر سبحانه بقيام الساعة في كتبه وعلى ألسنة رسله، سيما في كتابك يا أكمل الرسل وعلى لسانك {قَالَ} الجاحدون المنكرون {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالحق، وستروه بالباطل وكذبوا الرسل وعاندوا معهم يا أكمل الرسل، مستهزئين: {لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ} الموعدة على لسانك أيها المدعي مع أنك أدعيت الصدق في جميع أخبارك وأقوالك، فكيف لا تأتي الساعة التي ادعيت إتيانها، وأخبرت بها؟! لعلك كذبت وافتريت إلى ربك {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل بعدما استهزءوا معك، ونسبوك إلى الكذب والافتراء، وأنكروا بإتيان الساعة: {بَلَىٰ} تأتي الساعة الموعودة عليَّ وعلى حميع الرسل والأنبياء، لاشك في إتيانها وقيامها {وَ} حق {رَبِّي} القادر المقتدر على إنجاز جميع ما وعد بلا خلف {لَتَأْتِيَنَّكُمْ} الساعة الموعودة من عندهح إذ وعده سبحانه مقضي حتماً جزماً بلا شائبة شك وطريان غفلة عليه وسهو عنه، وكيف يطرأ عليه سبحانه سهو وذهول، وهو {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ} بالعلم الحضوري، فالمغيبات حاضرة عنده غير مغيبة عنه؛ إذ {لاَ يَعْزُبُ} ولا يغيب {عَنْهُ} سبحانه وعن حيطة حضرة علمه {مِثْقَالُ ذَرَّةٍ} ومقدار خردلة لا من الكوائن {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: العلويات {وَلاَ} من الكوائن {فِي ٱلأَرْضِ} أي: السفليات، ولا من المكونات الحادثة بينهما {وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ} المقدار {وَلاَ أَكْبَرُ} منه {إِلاَّ} وهو مثبت {فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 3] هو حضرة علمه ولوح قضائه.
إنما أثبت وأحضر الكل في لوح قضائه {لِّيَجْزِيَ} سبحانه المؤمنين {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بتوحيده، واعترفوا بتصديق رسله {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المقربة إليه سبحانه، المقبولة عنده، خير الجزاء ويعطيهم أحسن المواهب والعطاء {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء المقبولون عنده المستحقون لأنواع الكرامات {لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ} لما تقدم من ذنوبهم تفضلاً عليهم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [سبا: 4] صوري في الجنة، ومعنوي عند وصولهم إلى شرف لقائه، بلا كيف وأين ووجهة وجهة ومكان وزمان.