التفاسير

< >
عرض

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ
١٥
فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ
١٦
ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ
١٧
وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ
١٨
-سبأ

تفسير الجيلاني

وبعدما ذكر سبحانه قصة آل داوود وسليمان ومواظبتهم على شكر نعم الله وأداء حقوق كرمه، أردف سبحانه بكفران أهل سبأ على نعمه سبحانه، وإنكارهم على حقوق كرمه، فقال: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ} أي: لأولاد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان {فِي مَسْكَنِهِمْ} أي: مواضع سكناهم، وهي باليمن، يقال لها: مأرب، بقرب صنعاء، مسيرة ثلاث مراحل {آيَةٌ} عظيمة ونعمة جسيمة دالة على كمال معطيها وموجدها، وعلى اتصافه بالأوصاف الكاملة والأسماء الحسنى، وهي {جَنَّتَانِ} حافتان محيطتان {عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ} أي: جنة عجيبة عن يمين بلدهم، وأخرى عن يسارها.
وبعدما أعطيناهم هاتين الجنتين المشتملتين على غرائب صنيعنا وبدائع مخترعاتنا، قلنا لهم على طريق الإلهام: {كُلُواْ} أيها المتنعمون المتفضلون من عندنا {مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ} الذي رباكم بأنواع الكرامات {وَٱشْكُرُواْ لَهُ} نعمه، وواطبوا على أداء حقوق كرمه مع أن بلدتكم التي تسكنون فيها {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ} ماء وهواء، بريئة عن المؤذيات مطلقاً {وَ} ربكم الذي رباكم فيها بأنواع الكرم {رَبٌّ غَفُورٌ} [سبأ: 15] ساتر عليكم فرطاتكم بعدما أخلصتم في شكر نعمه وأداء حقوق كرمه.
وبعدما نبهنا عليهم بشكر النعم والمداومة عليها، لم ينتبهوا ولم يتفطنوا، بل {فَأَعْرَضُواْ} عن الشرك، واشتغلوا بأنواع الكفران والطغيان والإنكار على المفضل المنان، المكرم الديان، وبعدما انصرفوا عنا وعن شكر نعمنا {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ} وهي الحجارة المركومة بالجص والنورة، وأنواع التدبيرات المحكمة للأبنية والأساس.
وذلك أنه كان لهم سد قد بنته بلقيس بين الجبلين، وجعلت لها ثلاث كوات بعضها فوق بعض، وبنت دونها بركة عظيمة، فإذا جاء المطر اجمتع عليها مياه أوديتهم، فاحتبس السيل من وراء السد، فيفتح الكوة العليا عند الاحتياج، ثم الثانية، ثم الثالثة السفلى، فلا ينفد ماؤها إلى السنة القابلة.
فلما طغوا وكفروا لنعم الله بعدما أُمروا بالشكر على ألسنة الرسل، قيل: أرسل الله عليهم ثلاثة عشر نبياً، فكذبوا الكل وأنكروا لهم، سلط الله على سدهم الجُرذ - قيل: هي من من الفأرة - فنقَّبت في أسفل السد بإلهام الله إياها، فسال الماء، فغرقت جنتهم ودفنت بيوتهم في الرمل، وكان ذلك من غضب الله عليهم على كفران نعمه.
{وَ} بعدما أعرضوا عن شركنا، وأرسلنا عليهم من السيل ما أرسلنا {بَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ} المذكورتين، المشابهتين للجنة الأخروية {جَنَّتَيْنِ} أخريين، سماهما سبحانه على سبيل التهكم والاستهزاء: {ذَوَاتَيْ أُكُلٍ} وثمر {خَمْطٍ} بشع سمج كزقوم أهل النار {وَ} ذواتي {أَثْلٍ} طرفاء لا ثمر لها {وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ} نبق {قَلِيلٍ} [سبأ: 16] أي: قليل النفع؛ إذ لا يسمن ولا يغني من جوع.
{ذَٰلِكَ} الجزاء الذي {جَزَيْنَاهُمْ} من تبديل النعمة والجنة جحيماً، واللذة ألماًَ {بِمَا كَفَرُواْ} لنعمنا، وأنكروا لحقوق كرمنا؛ أي: بشؤم كفرانهم وطغيانهم، وكما غيروا الشكر بالكفران، بدلنا عليهم الجنان بالحرمان والخذلان، وبما كفروا لرسلنا وكذبوهم بلا مبالاة لهم وبدعوتهم، وبجميع ما جاءوا به من عندنا إياهم {وَهَلْ نُجَٰزِيۤ} بضم النون وكسر الزاي، بأمثال هذا الجزاء {إِلاَّ ٱلْكَفُورَ} [سبأ: 17] المعرض عن شكر نعمنا، الجاحد على حقوق لطفنا وكرمنا، والمبالغ في ستر الحق، المصر على الباطل الزاهق الزائل.
{وَ} من كمال لطفنا وجودنا إياهم {جَعَلْنَا بَيْنَهُمْ} أي: بين بلاد أهل سبأ {وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} وكثرنا الخير على ساكنيها بتوسعة الأرزاق والفواكه والمتاجر، وهي: أرض الشام {قُرًى ظَاهِرَةً} متواصلة متظاهرة، يُرى كل من الأخرى مترادفة على متن الطريق؛ تسهيلاً لهم، ليتجروا بلا كلفة وتعب {وَقَدَّرْنَا} لهم {فِيهَا ٱلسَّيْرَ} أي: في تلك القرى المترادفة على قدر مقيلهم ومبيتهم غادياً ورائحاً، بحيث لا يحتاجون إلى حمل زاد وماء؛ لقرب المنازل والخصب والسعة، وبعدما أعطيناهم هذه الكرامات، قلنا لهم على ألسنة الرسل المبعوثين إليهم أو إلهاماً لهم بلسان الحال: {سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً} على التعاقب والتوالي حيث شئتم لحوائجكم ومتاجركم {آمِنِينَ} [سبأ: 18] عن جميع المؤذيات، مصونين عن كيد الأعداء، شاكرين لنعمنا، غير كافرين عليها.