التفاسير

< >
عرض

وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
٣٠
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ
٣١
فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ
٣٢
رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ
٣٣
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ
٣٤
قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ
٣٥
فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ
٣٦
وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ
٣٧
وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ
٣٨
هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ
٣٩
وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ
٤٠

تفسير الجيلاني

{وَ} بعدما كرمناه بتشريف خلعة الخلافة {وَهَبْنَا لِدَاوُودَ} ولداً خلفاً عنه، وارثاً لملكه وخلافته، محيياً اسمه ومراسم دينه ومعالم ملته؛ يعني: {سُلَيْمَانَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ} سليمان؛ لأنه مقبول عندنا، مقرب من حضرتنا، مكرم لدينا، وكيف يكون كذلك { إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 30] رجَّاع إلينا، ملتجئ نحونا في عموم الأوقات وشمول الحالات على وجه الخلوص والتفويض التام.
اذكر يا أكمل الرسل كمال رجوعه وإخلاصه في وقت {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ} وهو مشمر إلى الغزو ومهيّئ لأسبابه، متمكن على كرسيه لضبط العسكر وآلات القتال بالعشي {ٱلصَّافِنَاتُ} من الخيل، وهي التي تدور سريعاً كالرحى على طرف حافر من حوافره، إن أراد الركاب تدويره، وهي من أكمل أوصاف الخيل وأحمدها عند أصحاب القتال؛ لأن المبارز كثيراً ما يحتاج إلى تدوير فرسه يوم الوغى {ٱلْجِيَادُ} [ص: 31] سريعة الجري والعدو.
وذلك أنه جلس على كرسيه يوماً بعدما فرغ من ورده في الظهيرة؛ لإعداد أسباب الغزو والقتال الذي قصد أن يخرج إليه يومئذ، فأمر بعرض الخيول عليه، فأشغله الالتفات والتجه نحو الخيول عن ورد عصره، فتذكر والشمس قد غربت، فاغتم غمّاً شديداً، وتحزَّن تحزناً بليغاً إلى حيث لم يطرأ عليه مثله.
{فَقَالَ} من شد’ أسفه وضجرته متأوهاً لائماً على نفسه: {إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ} الخيل {حُبَّ ٱلْخَيْرِ} أي: كحب الخير والتوجه المقرب إلى الله، لذلك ألهاني {عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ} الشمس {بِٱلْحِجَابِ} [ص: 32] وفات عني وردي الذي كا نقبل الغروب.
وبعدما وقع ما وقع من الغفلة، تسارع إلى التدارك والتلافي، فأخذ يقطع عرق الباعث إلى الإلهاء والإغفال، فقال للشرطة: {رُدُّوهَا} أي: الصافنات {عَلَيَّ} وكُرّوها إليّ، فأعدوها معرضين ثانياً {فَطَفِقَ} سليمان، وأخذ السيف الصارم بيده، يمسح ويمضي {مَسْحاً} وإمضاء ملاصقاً {بِٱلسُّوقِ} وهي جمع: ساق {وَٱلأَعْنَاقِ} [ص: 33] يعني: أخذ بقطع قوائمها ورءوسها، ليزول حبها عن قلبه، ويتصدق بها طلباً لمرضاة ربه، وجبراً لما انكسر من ورده.
وعن المرتضى المجتبى - كرم الله وجهه -: أن الضمير في {رُدُّوهَا} راجع إلى الشمس؛ يعني: أمر سليمان الموكلين على الشمس بإذن الله ووحيه أياه، أن يردوا الشمس بعدما غربت؛ ليأتي سليمان بورده، فأتى بما أتى، وذلك من كمال كرم الله معه.
{وَ} مع كونه مقبولاً عندنا ممدوحاً لدينا {لَقَدْ فَتَنَّا} وابتلينا {سُلَيْمَانَ} بفتنة عظيمة، وأخذنا منه ملكه بجريمة صدرت من أهل بيته بأدنى ملابسة له ورضا من جانبه.
وذلك أنه عليه السلام غزا "صيدون" من الجزائر، فقتل ملكها فأصاب ابنته اسمها جرادة، وهي من أجمل النساء وأحسنها شكلاً، فأعجب سليمان بحسنها وخصها لنفسه، وهي أحب عليه من سائر نسائه، وكانت من شدة حزنها وكآبتها على أبيها لا يرقى دمعها، ولا يزال همها، فأمر عليه السلام الشياطين فمثل لها صورة أبيها، فكانت تغدو إليها و تروح مع ولائدها يسجدون لها، على ما هي عادتها في حياته وملكه.
ومضى عليها أربعون يوماً، فاستشعر بها آصف بن برخيا فأخبره، فكسر الصورة وضرب المرأة والولائد، فخرج عليه السلام إلى الصحراء باكياً متألماً مستحيياً من ربه، وكان من عادته عليه السلام إذا دخل الخلاء أعطى خاتمه الذي فيه ملكه إلى أمة له اسمها أمينة، فأعطاها يوماً فتمثل بصورة سليمان شيطان امسه صخر، فجاء فطلب الخاتم من أمينة فأخذه فتختم به، وجلس على كرسيه، واجتمع الخلق عليه، وقضى ما قضى ونفذ حكمه في كل شيء إلا في نسائه، وغيّر سليمان عن هيئته وسلطنته، فأتى أمينة بطلب الخاتم فطردته وأنكرت عليه، فعرف أن الفتنة قد أدركته.
فأخذ يدور حول البيوت يتكفف حتى مضى أربعون يوماً عاد ما عبد في بيته الصورة، وبعد انقضاء المدة المذكورة، طار الشيطان من كرسيه وقذف الخاتم في البحر، فابتلعته سمكة فوقعت في يد سليمان من قضاء الله ومزيد كرمه وعطائه عليه، فبقر بطنها فوجد الخاتم فتختم به، فعاد ملكه عليه، وخرَّ ساجداً وأناب إلى الله متضرعاً كما أخبر سبحانه.
وبعدما فتناه بفتنة عظيمة وهي عبادة غيرنا في بيته برضاء منه، وأخذناه عليها وأخرجناه من ملكه بفقد الخاتم عنه {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ} وأجلسنا بدله عليها {جَسَداً} تمثالاً وصورة لا حقيقة لها، {ثُمَّ} بعدما ابتليناه بما ابتليناه قد {أَنَابَ} [ص: 34] إلينا مخلصاً متضرعاً، فقبلنا توبته عناية منَّا إياه؛ حيث {قَالَ} في مناجاته معنا، وعرض حاجاته إلينا: {رَبِّ} يا من رباني بمقتضى لطفك وجودك، وأعطيتني من مواهبك ما لم تعطِ أحداً من خلقك {ٱغْفِرْ لِي} ذنبي، واعفُ زلتي بسعة رحمتك وجودك {وَ} بعدما غفرتني ومحوت عني معصيتي {هَبْ لِي مُلْكاً} كما وهبتني قبل هذا، وخصصتني به بمقتضى جودك وإحسانك علي؛ إذ {لاَّ يَنبَغِي} ويليق بشأنك وبمزيد لطفك وإحسانك أن تعطيه {لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ} إذ لا راد لفظلك، ولا مانع لعطائك {إِنَّكَ أَنتَ} المحسن {ٱلْوَهَّابُ} [ص: 35] المقصور المنحصر على إعطاء المواهب والكرامات، بلا عوض ولا غرض؛ إذ لا معطي سواك ولا مفضل غيرك.
وبعدما توجه إلينا وتضرع نحونا على وجه الإنابة والخضوع والتذلل والخشوع، آتينا ملكه، وأجرينا حكمه كما كان {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ} بعدما انتقمنا عنه، وجعلناها مقهورة له، محكومة بحكمة؛ حيث {تَجْرِي بِأَمْرِهِ} منقادة بحكمه {رُخَآءً} لينة هينة، بلا تضعضع وتزعزع يتعب منه الراكب {حَيْثُ أَصَابَ} [ص: 36] أي: يجري بأمره أي صوب أراد، وجانب قصد.
{وَ} أيضاً سخرنا له {ٱلشَّيَاطِينَ} وجعلناهم منقادين لحكمه {كُلَّ بَنَّآءٍ} منهم يبني له أبنية عجيبة، وقصوراً مشيدة منيعة، وحصوناً محكمة، لا يسع للإنس أن يعمل مثلها {وَ} كل {غَوَّاصٍ} [ص: 37] منهم يغوصون لأجله في لجج البحار، ويستخرجون لخزائنه من اللآلئ النفيسة ما لا يعد ولا يحصى.
{وَآخَرِينَ} من الشياطين، وهم المردة الممتنعون عن الإطاعة والانقياد، جعلناههم {مُقَرَّنِينَ} مشدودين محبوسين {فِي ٱلأَصْفَادِ} [ص: 38] أي: القيود والأغلال المضيقة بمقتضى أمره وحكمه.
ثم قال سبحانه امتناناً عليه، وتنبيهاً على تعظيمه وتكريمه: {هَـٰذَا} المذكور من الحكومة والخلافة والتسخيرات السالفة {عَطَآؤُنَا} عليك يا من اصطفيناك لوارثة النبوة والخلافة {فَٱمْنُنْ} منه لمن شئت، واجعل حق المستحقين محفوظاً به {أَوْ أَمْسِكْ} لنفسك، ولا تعطِ أحداً؛ يعني: لكل الخيار في المنع والإعطاء {بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ص: 39] عليك، وسؤال عن فعلك، إذ أمره مفوض إليك.
{وَ} كيف لا يفوض لأمر ما أعطيناه إياه إلينا {إِنَّ لَهُ} أي: لسليمان عليه السلام {عِندَنَا} وفي ساحة عز حضورنا {لَزُلْفَىٰ} درجة قريبة من درجات الوصال {وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 40] أي: خبر مرجع ومنقلب من مراتب التمكن في التوحيد، والتقرب في مقر القبول.