التفاسير

< >
عرض

وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوۤءِ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ
٤٧
وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
٤٨
فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
٤٩
-الزمر

تفسير الجيلاني

ثم قال سبحانه تسجيلاً على عدم قابليتهم واستعدادهم لقبول الحق وفيضان أسرار التوحيد {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي: بعدما جبلوا على فطرة الشقاوة من عند الله الحكيم لو حقّ وثبت لهم ملك {مَا فِي ٱلأَرْضِ} من الزخارف الإمكانية {جَمِيعاً وَمِثْلَهُ} بل أضعافه وآلافه {مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ} في سبيل الله، راجين النجاة {مِن سُوۤءِ ٱلْعَذَابِ} المعد لهم {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} جزاءً لأعمالهم لما حصل لهم هذا، ولا نجاة لهم منه أصلاً؛ إذ لا يبدل قولنا ولا نغير حكمنا، بل {وَبَدَا} أي: لاح وظهر {لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47] من قِبله؛ إذ هم عند الإتيان بفواسد الأعمال والعبادات على معبوداتهم، زاعمين جزاء ترتب جزاء الخير عليها، وقد انعكس الأمر عليهم.
{وَ} حين ظهر عليهم عكس المطلوب {بَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ} أي: تحقق عندهم كون أعمالهم التي أتوا بها سيئات كلها {وَ} حينئذ {حَاقَ} وأحاط {بِهِم} خجالة {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الزمر: 48] من الأمور الدينية والمعتقدات الأخروية الجارية على ألسن الرسل والكتب في النشأة الأولى، ولم ينفعهم الندم والخجالة حينئذ؛ لانقضاء التدارك والتلافي.
ثم أشار سبحانه إلى تزلزل الإنسان، وعدم ثباته على العزيمة الخالصة نحو ربه فقال: {فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ} منَّا مؤلم مزعج إلى التوجه والتحنن إلينا {دَعَانَا} واستكشف عنَّا الضر على سبيل الإلحاح والاقتراح {ثُمَّ} بعد كشفنا عنه ضره {إِذَا خَوَّلْنَاهُ} أي: أعطيناه ووسعنا عليها {نِعْمَةً} تفضلاً {مِّنَّا} وتكريماً؛ لنختبر كيف يشكر على دفع الضر وحصول النعمة بعده {قَالَ} حينئذ على سبيل الكفران: {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ} من النعم {عَلَىٰ عِلْمٍ} مني بوجوه كسبه وجمعه وأرباحه وأخذه.
أو المعنى: ما أوتيت وأعطيت بما أوتيت إلا سبب علمي بوجوه جمعه وتحصيله، لا من حيث لا أحتسب، هكذا يقول من الهذيانات الدالة على الكفران والطغيان، مع أن نعمته ما هي إلى نعمة في نفسها {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ} ابتلاس منَّا إياه، واختبار لننظر أيشكر أم يكفر؟ {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 49] ولا يفهمون فتنتنا واختبارنا، لذلك ينهمكون في بحر الكفران والطغيان.