التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً
١
وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً
٢
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ
٣
-النساء

تفسير الجيلاني

{يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} الذين نسوا الموطن الأصلي، والمنزل الحقيقي بزخرفة الدنيا المانعة من الوصول إليه، عليكم الاتقاء من غوائلها، والأجتناب عن مخايلها، حتى لا تنحطوا عن مرتبتكم الأصلية ومكانكم الحقيقي {ٱتَّقُواْ} أي: اجتنبوا والتجئوا {رَبَّكُمُ ٱلَّذِي} رباكم بحسن التربية، بأن {خَلَقَكُمْ} أظهركم وأوجدكم أولاً {مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} هي المرتبة الفعالى، المحيطة بجميع المراتب الكونية والكيانية، وهي المرابت الجامعة المحمدية، المسماة بالعقل الكلي، والقلم الاعلى؛ تكميلاً لباطنكم وغيبكم.
{وَخَلَقَ مِنْهَا} بالنكاح المعنوي والزواج الحقيقي الواقع بين الأوصاف والأسماء الإلهية {زَوْجَهَا} التي هي الكلية القابلة الفيضان عموم الآثار الصادرة من المبدأ المختار؛ تتميماً لظاهركم وشهادتكم، حتى استحقوا الخلافة والنيةبة بحسب الظاهر والباطن {وَ} بعد جعلهما زوجين كذلك {بَثَّ} بسط ونشر {مِنْهُمَا} أيضاً بتلك النكاح المذكور {رِجَالاً كَثِيراً} فواعل مفيضات {وَنِسَآءً} قوابل مستفيضات كل لنظيرتها، على تفاوت دقائق المناسبات الواقعة بين التجليات الحبية على الوجه الذي بينتها الكتب والرسل.
ولما كان الرب من الأسماء التي تتفاوت بتفاوت المربوب، صرح بألوهيته المستجمعة لجميع الأوصاف والأسماء بلا تفاوت، تأكيداً ومبالغةً لأمر التقوى، فقال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي: واحذروا عمَّا يشغلكم عنه سباحنه، مع أنه أقرب إليكم من حبل وريدكم؛ إذ هو {ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ} تتساءلون وتتنافسون {بِهِ} وتتوهمون بعده من غاية قربه {وَ} احفظوا {ٱلأَرْحَامَ} المنبئة عن النكاح المعنوي والزواج الحيي على الوجه الذي ذكره {إِنَّ ٱللَّهَ} المحيط بكم وبأحوالكم {كَانَ عَلَيْكُمْ} دائماً {رَقِيباً} [النساء: 1] حفيظاً يحفظكم عمَّا لا يغنيكم إن أخلصتم التوجه.
ومن جملة الأمور التي يجب المحافظة عليها أيها المأمورون بالتقوى: حقوق اليتامى، فعليكم أيها الأولياء والأوصيا أن تحفظوا مال اليتيم حين موت أبيه أو جده، وتزيدوه بالمرابحة والمعاملة، وتصرفوا بقدر الكفاف.
{وَ} بعد البلوغ {آتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ} قبل البلوغ؛ إذ لا يتم بعد البلوغ {أَمْوَالَهُمْ} المحفوظة، الموروثة من آبائهم {وَ} عليكم حين الأداء أن {لاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ} الرديء من أموالكم {بِٱلطَّيِّبِ} الجيِّد من أموالهم {وَ} أيضاً، عليكمإن أردتم التصرف في أموالهم مقدار معاشهم أن {لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ} أي: مع أموالكم مختلطين {إِنَّهُ} أي: التصرف في أموالهم بلا رعاية غبطتهم {كَانَ حُوباً كَبِيراً} [النساء: 2] إثماً عظيماً، مُسقطاً للمروءة بالمرة.
{وَإِنْ خِفْتُمْ} أيها الأولياء {أَلاَّ تُقْسِطُواْ} ولا تعدلوا {فِي} حفظ {ٱلْيَتَامَىٰ} النساء اللاتي لهن مال وجمال {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} البالغة مقدار ما يسكن مليكم إلى اليتامى وشهوتكم إليهن {مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ} أي: اثنين اثنين، وثلاث ثلاث، وأربعة أربعة، على تفاوت ميولكم إن حفظتم العدالة بينهن.
{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً} أي: فلكم نكاح الواحدة؛ لتأمنوا من الفتنة، سواء كانت من الحرائر {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ} من الإماء، ثم لمَّا لم يكن في الإسلام رهبانية؛ لأن الحكمة تقتضي عدمها، كما أشار إلأيه صلى الله عله وسلم بقوله:
"لا رهبانية في الإسلام" ، نبه سبحانه على أقل مرتبة الزواج الصوري، المنبئ عن النكاح المعنوي والارتباط الحقيقي بقوله: {ذٰلِكَ} أي: نكاح الواحدة، والقناعة بالإماء {أَدْنَىٰ} مرتبة الزواج على الذين يخافون {أَلاَّ تَعُولُواْ} [النساء: 3] أي: من كثرة العيال.