التفاسير

< >
عرض

لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً
١٤٨
إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوۤءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً
١٤٩
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً
١٥٠
أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً
١٥١
-النساء

تفسير الجيلاني

ومن متقضيات التوحيد أيها المتوجهون نحوه ألاَّ تظهروا، وتبثُّوا إلى الله الشكوى في الأمور المتعلقة بالدنيا، ولا تلحوا في المناجاة والدعاء، فإن ناقدكم بصير بحاجاتكم، وعليكم الرضا بما جرى عليكم من القضاء، ونعم القرين الرضا؛ إذ {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ} المتجلي باسم الرحمن على ذرائر الأكوان معتدلاً، مستوياً بلا تفاوت، ولا يمدح عنده {ٱلْجَهْرَ} والإشاعة {بِٱلسُّوۤءِ} أي: لا يحب أن يجهر بالقبيح، المستهجين عقلاً وشرعاً، ويبالي بشأنه، ويستدعي لأجله؛ إذ لا يجري في ملكه إلا العدل والخير، خصوصاً الجهر {مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ} جهر {مَن ظُلِمَ} فإنه سبحانه يحبه، ويبادر إلى إجابته؛ إذ الظالم خارج عن مقتضى عدل الله وصراطه المستقيم {وَكَانَ ٱللَّهُ} المتجلي على العدل القويم {سَمِيعاً} لجهر المظلوم {عَلِيماً} [النساء: 148] بظلم الظالم، وبما استحق له من الجزاء، يجازيه على مقتضى علمه.
{إِن تُبْدُواْ} أيها المؤمنون وتظهروا {خَيْراً} على رءوس الأشهاد {أَوْ تُخْفُوهُ} أي: تعطوه خفية عن الناس {أَوْ تَعْفُواْ} تجاوزوا عن الظالم، ولم تنتقموا منه، ولم تتضرعوا إلى الله المنتقم {عَن سُوۤءٍ} فعل الظالم بكم {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لسرائركم ونياتكم {كَانَ عَفُوّاً} عنكم، ماحياً لذنوبكم مع كونه {قَدِيراً} [النساء: 149] على انتقامه منكم.
ثم قال سبحانه {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ} ويشركون له بإثبات الوجود لغيره {وَرُسُلِهِ} أي: يكفرون برسله، ويكذبونهم مع كونهم مبعوثين على الحق من عنده {وَ} مع كفرهم وتكذيبهم {يُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ} المتوحد، المتفرد بذاته، المستقبل في وجوده {وَرُسُلِهِ} المستخلفين من عنده بظهوره عليهم بجميع أسمائه وصفاته {وَيقُولُونَ} من غاية جهلهم بظهور الله، واستيلائه على مظاهرة: {نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ} من الرسل {وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} آخر، مع أن ظهوره في الكل على السواء بلا تفاوت {وَيُرِيدُونَ} وتوهمون {أَن يَتَّخِذُواْ} ويثبتوا {بَيْنَ ذٰلِكَ} أي: ارتباط الظاهر بالمظهر والمظهر بالظاهر {سَبِيلاً} [النساء: 150] غير سبيل لاحق المطابق للواقع.
{أُوْلَـٰئِكَ} البعداء، المتوغلون في الكفر {هُمُ ٱلْكَافِرُونَ حَقّاً} أي: الكافرون المنهمكون فيه، المنتهون إلى مرتبةٍ لا يعبأ بإيمانهم أصلاً {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ} المستغرقين فقي الغي والضلال {عَذَاباً مُّهِيناً} [النساء: 151] مذلاً، مقسطاً لهم عن الإنسانية بعدما جلبوا عليه صورةً؛ إذ لا إهانة أشد من ذلك.