التفاسير

< >
عرض

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً
٥١
أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً
٥٢
أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً
٥٣
أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً
٥٤
فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً
٥٥
-النساء

تفسير الجيلاني

{أَلَمْ تَرَ} أيها الرائي {إِلَى ٱلَّذِينَ} يدعون أنهم {أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ} علم {ٱلْكِتَٰبِ} أي: التوراة المبين لطريق التوحيد الموضح لسبيله كيف {يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ} أي: الصنم الذي لا خير يرجى منه ولا شر، ولا نفع ولا ضر {وَٱلطَّٰغُوتِ} التي هي الآراء البالطة والأهوية الفاسدة المؤدية إلى الكفر والزندقة والإلحاد عن طريق الرشاد، ولو أنهم في أهل التوحيد ولهم نصيب من اكتساب النازل من عند الله لتبيينه وتعليم طريقه، لما آمنوا بالأباطيل الزائفة الفاسدة المضلة عن طريق الحق والصراط المستقيم، ومع ضلالهم في أنفسهم يريدون إضلال غيرهم {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: في حق ضعفائهم وأتباعهم: {هَٰؤُلاءِ} الضعفاء من إخواننا {أَهْدَىٰ} وأقوى {مِنَ} السفهاء {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بمحمد صلى الله عليه وسلم {سَبِيلاً} [النساء: 51] وإنما يقولون أمثال هذا؛ استخفافاً للنبي صلى الله عليه وسلم وطعناً وقدحاً في الإسلام.
{أُوْلَـٰئِكَ} البعداء المعزولون عن منهج الرشاد هم {ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} أي: طردهم عن ساحة التوحيد إلى ذل الإمكان {وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ} المنتقم المقتدر {فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً} [النساء: 52] يشفع له عنده؛ إذ لا غير معه ولا شيء سواه.
أتعتقد وترى أيها الرائي أن لهم حظاً من الإيمان والتوحيد؟ فليس لهم ذلك {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذاً} أي: حين كانوا ملوكاً متصرفين على وجه الأرض {لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ} أي: القراء المحتاجين {نَقِيراً} [النساء: 53] بل قطميراً شحهم وبخلهم.
{أَمْ} بل {يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ} المنظورين لله الناظرين بنوره {عَلَىٰ مَآ آتَٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} من الحكمة والنبوة والكتاب المبين، ومن غاية حسدهم يكذبونهم وكتابهم عناداً وإذا أرادت أن ترى أيها الرائي من لهم نصيب من الكتاب والملك {فَقَدْ آتَيْنَآ} من محض جودنا وفضلنا {آلَ إِبْرَٰهِيمَ} وذريته الذي من جملتهم وصفوتهم محمد صلى الله عليه وسلم {ٱلْكِتَٰبَ} المبين للشرائع و الأحكام {وَٱلْحِكْمَةَ} السرائر المقتضية تشريعها {وَ} مع ذلك {آتَيْنَاهُمْ} في الدنيا {مُّلْكاً عَظِيماً} [النساء: 54] استيلاء بسطة ممتدة إلى يوم القيامة.
{فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ} بنوبتهم وعظمتهم وبسطتهم {وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ} أي: أعرض ولم يؤمن عتواً وعناداً، فلا تعجل يا أكمل الرسل بانتقامهم وعقوبتهم {وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً} [النساء: 55] أي: كفى جهنم المسعورة المعدة لانتقامهم وتعذيبهم منتقماً عنهم على أقبح وجه وأشد تعذيب.