التفاسير

< >
عرض

فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَٰناً وَتَوْفِيقاً
٦٢
أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً
٦٣
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً
٦٤
-النساء

تفسير الجيلاني

{فَكَيْفَ} لا يكونون منافقين إنهم {إِذَآ أَصَٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} من نفاقهم مع المؤمنين وتحاكمهم إلى الطاغوت، وعدم الرضا بحكمك وقضائك { ثُمَّ} بعدما أصابوا {جَآءُوكَ} معتذرين لك {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ} أي: ما قصدنا {إِلاَّ إِحْسَٰناً} طلباً للخير من الله لإخواننا المؤمنين {وَتَوْفِيقاً} [النساء: 62] بينهم.
عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن منافقاً نازع يهودياً، فدعاه اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم بعد النزاع والجدال احتكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحكم لليهودي فلم يرضى المنافق بقضائه، فقال: نتحاكم إلى عمر رضي الله عنه، فحضروا عنده فقال اليهودي لعمر رضي الله عنه: قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض، فخاصم إليك، فقال عمر للمنافق: أهكذا، قال: نعم، فقال: مكانكما حتى أخرج، فدخل بيته، وأخذ سيفه، فخرج فضرب به عنق المنافق، فقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله، فنزل جبريل وقال: إن عمر رضي الله عنه قد فرق بين الحق والباطل، فسمي الفاروق.
{أُولَـٰئِكَ} المنهمكون في الغي والضلال هم {ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} من النفاق والشقاق، فلا يغني عنهم حلفهم الكاذب شيئاً من عذاب الله {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} وعن حلفهم عن المؤمنين {وَعِظْهُمْ} في الخلوات على مقتضى شقاق مرتبة النبوة والرسالة {وَقُل لَّهُمْ} حين كانوا مفترقين متفردين {فِيۤ أَنْفُسِهِمْ} عن المؤمنين {قَوْلاً بَلِيغاً} [النساء: 63] ليؤثر فيهم ويحرك فطرتهم الأصلية التي فطروا عليها؛ رجاء أن يتفطنوا بالتوحيد وينتبهوا بحقيته بتوفيق الله وجذب من جانبه.
{وَ} لا تستبعد يا أكمل الرسل مثال هذا التوفيق منا؛ إذ {مَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ} إلى أمة من الأممم الماضية {إِلاَّ لِيُطَاعَ} ويؤمن به ويمتثل بأمره إلا {بِإِذْنِ ٱللَّهِ} وتعلق إرادته بإطاعتهم له وإيمانهم به {وَلَوْ أَنَّهُمْ} من غاية جهلهم ونفاقهم {إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} بالخروج عن إطاعتك وانقيادك عنا {جَآءُوكَ} تائبين معتذرين مما صدر عنهم {فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ} مخلصين نادمين {وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ} أيضاً بالاستشفاع والاستدعاء من الله بالقبول بعدما جاءوا معتذرين {لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ} وصادقوه مفضلاً كريماً {تَوَّاباً} يثل توبتهم {رَّحِيماً} [النساء: 64] لهم يوفقهم عليها.