التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً
٩٧
إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً
٩٨
فَأُوْلَـٰئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً
٩٩
-النساء

تفسير الجيلاني

ثم قال سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} وهم الذين بقوا في مكة، ولم يهاجروا مع رسول الله ولا بعده، فاستزلهم العدو، وأخرجوهم إلى قتال رسول الله يوم بدر، فقتلهم الملائكة حين إمدادهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم {ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ} بتوطينها بين العدو مع القدرة على الهجرة، مع أنه حينئذ لا يقبل منهم الإيمان بلا هجرة، ثم نسخ بعد الفتح لذلك قال عليه السلام: "لا هجرة بعد الفتح" {قَالُواْ} أي: الملائكة لهم حين أظهروا الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم {فِيمَ كُنتُمْ} في أي أمر وشأن من دينكم مع كونكم بين أعداء الله ورسوله؟ {قَالُواْ} في جوابهم معتذرين: {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ} محبوسين {فِي ٱلأَرْضِ} أرض العدو حين استزلونا وأخرجونا إلى قتال رسول الله {قَالْوۤاْ} أي: الملائكة موبخين لهم مقرعين تبكيتاً والزاماً: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} مع كونكم غير ملجئين على القعود {فَأُوْلَـٰئِكَ} البعداء المداهنون مع الأعداء المظاهرين لهم {مَأْوَاهُمْ} ومثواهم {جَهَنَّمُ} البعد عن جوار الله وسعة رحمته {وَسَآءَتْ} جهنم {مَصِيراً} [النساء: 97] مآباً ومتقلباً لهم.
{إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ} الذين استضعهم المرض أو الهرم أو عدم المكنة {وَٱلنِّسَآءِ} لأنهن لسن متكلفات بالهجرة إلا مع أزواجهن {وَٱلْوِلْدَانِ} وهم ليسوا من أهل التكليف، وبالجملة: المستضعفون هم الذين {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} أي: لا يقدرون على إحداث حيلة تنجيهم عن أعدائهم {وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} [النساء: 98] يوصلهم إلى أوليائهم حتى يهاجروا.
{فَأُوْلَـٰئِكَ} المضطربون في أمر الهجرة المستضعفون في يد العدو {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ} أي: يمحو عن صحائف أعمالهم زلتهم الاضطرارية، ويغفر ذنوبهم كسائر المؤمنين إن كانوا مخلصين في الإيمان {وَكَانَ ٱللَّهُ} المطلع لسرائر عباده ونيابتهم {عَفُوّاً} لمن أخلص {غَفُوراً} [النساء: 99] لمن تاب ورجع.