التفاسير

< >
عرض

رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ
١٥
يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ
١٦
ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
١٧
وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ
١٨
يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ
١٩
وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ
٢٠
-غافر

تفسير الجيلاني

وكيف لا يدعون ويعبدون له سبحانه، مع أنه هو في ذاته {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ} أي: درجات قربه ووصوله رفعية، وساحة عز حضوره منيعة لا يسع لكل قاصد أن يحوم حولها، إلا بتوفيق منه سبحانه وجذب من جانبه {ذُو ٱلْعَرْشِ} العظيم؛ إذ لا ينحصر مقر استيلائه وظهوره بمظهر دون مظهر ومجلى دون مجلى، بل له مجالي إلى ما شاء الله؛ إذ هو بمقتضى تجليه الجمالي {يُلْقِي ٱلرُّوحَ} على وجه الأمانة ويمد الظل {مِنْ أَمْرِهِ} بمقتضى حبه الذاتي {عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي: استعدادات مظاهرة المسظلين بظلال أسمائه وصفاتخ، وبعد إلقائه ومدِّة إياهم، كلفهم بما كلفهم من الأوامر والنواهي المصححة للعبودية اللازمة للألوهية والربوبية، وإنما كلفهم بما كلفهم {لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ} [غافر: 15] أي: يخوفهم عن زمان الوصول والرجوع في النشأة الأخرى، والطامة الكبرى التي ترد فيها الأمانات إلى أهلها على وجهها.
إذ هو {يَوْمَ هُم بَارِزُونَ} خارجون من أجداث أجسامهم، راجعنن إلى الله جميعاً بأرواحهم، محشورون عنده معرضون عليه؛ بحيث {لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ} المحيط بهم {مِنْهُمْ شَيْءٌ} من أعيانهم وأعمالهم ونياتهم، وبعدما برزوا لله ورجعوا نحوه صائرين إليه، فانين فيه، قيل لهم من قِبل الحق بعد فناء الكل إظهاراً لكمال قدرته وجلاله: {لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} أي: ملك الوجود والتحقق والثبوت، فأجيب أيضاً من قِبله؛ إذ لا موجود سواه، ولا شيء غيره: {لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ} من كل الوجوه {ٱلْقَهَّارِ} [غافر: 16] لنقوش استوى سبحانه على الملك المطلق بالإطاعة والاستحقاق على ما كان ويكون في ازل الآزال وأبد الآباد، أشار إلى سرائر ما ظهر منه في النشأة الأولى فقال: {ٱلْيَوْمَ} أي: يوم الجزاء والنشأة الأخرى {تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ} أي: طبق ما كسبت واقترفت في النشأة الأولى، التي هي نشأة التكلف والاختبار بلا ازدياد وتنقيص عليه؛ إذ {لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ} أي: يوم الجزاء؛ لأنه إنما وضع لظهور العدالة الإلهية والقسط الحقيقي، بل تجزى فيه كل من النفوس بجميع ما صدرت عنها، خيراً وشراً نفعاً وضراً {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع على عموم ما ظهر وبطن من عباده {سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} [غافر: 17] عليهم بلا فترة وتلبيس؛ إذ لا يشغله شأن عن شأن، ولا يطرأ عليه سهو ونيسان.
{وَأَنذِرْهُمْ} يا أكمل الرسل؛ أي: عموم المكلفين {يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ} والمشارفة على العذاب الأبدي، حين أحضروا على شفير جهنم للطرح فيها {إِذِ ٱلْقُلُوبُ} أي: قلوب أولئك المحضرين ترتفع حينئذ {لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ} وتلتصق بحلاقيمهم من كمال هولهم واضطرابهم، وكانوا حينئذ {كَاظِمِينَ} ومملوئين من الغم والحزن وأنواع الكآبة والخذلان، وبالجملة: {مَا لِلظَّالِمِينَ} أي: لهؤلاء المسرفين المقصورين على الخيبة والخسران حينئذ {مِنْ حَمِيمٍ} قريب يدركهم، ويولي أمرهم، ويسعى في استخلاصهم {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18] أي: شفيع يشفع ويقبل الشفاعة منه لأجلهم.
مع أنه سبحانه {يَعْلَمُ} بعلمه الحضوري {خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ} أي: خيانتهم التي يتغامزن بعيونهم نحو محارم الله {وَ} يعلم أيضاً {مَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ} [غافر: 19] أي: ما تخفي صدورهم من الميل إلى الشهوات المحرمة بلا مباشرة الآلات.
{وَ} بالجملة: {ٱللَّهُ} المطلع بظواهرهم وضمائرهم {يَقْضِي} ويحكم بهم، ويجازي عليهم بمقتضى علمه وخبرته منهم {بِٱلْحَقِّ} بلا حيف وميل إظهاراً لكمال عدالته {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} سبحانه من الأوثان والأصنام {لاَ يَقْضُونَ} ولا يحكمون لا لهم ولا عليهم {بِشَيْءٍ} من نفع وضر؛ إذ هم جمادات لا شعور لها {إِنَّ ٱللَّهَ} القادر المقتدر على أنواع الإنعام والانتقام {هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لجميع ما صدر من ألسنة استعداداته {ٱلْبَصِيرُ} [غافر: 20] بما ظهر على هياكل هوياتهم.