التفاسير

< >
عرض

وَقَالُواْ يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ
٤٩
فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ
٥٠
وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ
٥١
أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ
٥٢
فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ
٥٣
فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ
٥٤
فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ
٥٥
فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ
٥٦
-الزخرف

تفسير الجيلاني

{وَ} مع ذلك لم يرجعوا بل {قَالُواْ} عند نزول البلاء وهجوم العناء مسترجعين نحوه، منهمكين معه: {يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ} الماهر في السحر {ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ} الذي زعمت ألا منزل للمصيبة سواه، ولا كاشف أيضاً إلا هو {بِمَا عَهِدَ عِندَكَ} أي: بمقتضى ما وعد لك وعهد معك ألا يعذب من آمن بك وصدقك، فإنن انكشف الضر عنَّا بدعائك {إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ} [الزخرف: 49] بهدايتك مؤمنون لك، مصدقون بنبوتك ورسالتك، وبجميع ما دعوتنا إليه.
{فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ} بعد دعاء الأنبياء والرسل وتضرعهم نحونا، راجين منَّا العفو والتجاوز {إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ} [الزخرف: 50] أي: فاجؤوا على نقض ما عهدوا، مبادرين على الإنكار والعناد بلا تراخ وتأخير.
{وَ} من كمال عتو فرعون ونهاية عناده واستكباره {نَادَىٰ فِرْعَوْنُ} بنفسه يوماً من الأيام حين كان {فِي} مجمع {قَوْمِهِ} مباهياً بما عنده من الجاه وسعة المملكة؛ حيث {قَالَ يٰقَوْمِ} ناداهم؛ ليسمعوا منه ويصغوا إليه سمع قبول {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} مع كمال وسعته وكثرة مملكته {وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ} الثلاثة المنشبعة من النيل؛ هي نهر طولون، ونهر دمياط، ونهر نفيس {تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ} أي: تحت تصرفي وملكي {أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الزخرف: 51] أيها المجبولون على البصارة.
{أَمْ أَنَآ} أي: بل أنا {خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا} الساحر المدعي {ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ} رذيل مهان، لا عزة له ولا مقدار {وَ} مع رذالته وسفالته {لاَ يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف: 52] يظهر ويعرب كلامه للكنة في لسانه.
{فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ} أي: فلو كان مؤيداً من عند الله، ومكرماً لديه كما زعم، هلا أُلقي عليه أسورة {مِّن ذَهَبٍ} تدل على عزته وكرامته عنده وسيادته عند الناس؛ إذ العادة حينئذ أن أهل الرئاسة والسيادة يُسورون ويطوفون بأسورة من ذهب {أَوْ} هلا {جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} من عند ربه {مُقْتَرِنِينَ} [الزخرف: 53] معه مجتمعين، يعينونه فيما يعنيه.
وبالجملة: {فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ} وسفَّههم وضعَّف أحلامهم بامتثال هذه الهذيانات الباطلة {فَأَطَاعُوهُ} وقَبِلوا منه جميع ما قال عتواً وعناداً {إِنَّهُمْ} في أنفسهم {كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} [الزخرف: 54] خارجين عن مقتضى العدالة الإلهية، لذلك انحرفوا عن سواء السبيل واتبعوا ذلك الفاسق الطاغي.
{فَلَمَّآ آسَفُونَا} وحملونا على القهر والغضب، وحركوا حمية الغيرة الإلهية بامتثال هذه الجرائم الفاحشة {ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ} بمقتضى قهرنا وجلالنا {فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [الزخرف: 55] في اليم، ومحنا رسومهم عن وجه الأرض.
{فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً} قدوة وأسلافاً قديمة {وَ} صاروا {مَثَلاً لِّلآخِرِينَ} [الزخرف: 56] من أخلافهم، يمثلون بهم، وبوقائعهم يتعظون.