التفاسير

< >
عرض

كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
٢٥
وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ
٢٦
وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ
٢٧
كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ
٢٨
فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ
٢٩
وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ
٣٠
مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ
٣١
وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ
٣٢
وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ
٣٣
-الدخان

تفسير الجيلاني

وبعدما هلكوا {كَمْ تَرَكُواْ} أي: كثيراً تركوا {مِن جَنَّاتٍ} منتزهات {وَعُيُونٍ} [الدخان: 25] جاريات فيها {وَزُرُوعٍ} كثيرة في حواليها {وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} [الدخان: 26] أي: محافل مزينة ومنازل حسنة في خلالها {وَنَعْمَةٍ} أي: أسباب تنعم وترفه من الأمتعة والنسوان {كَانُواْ فِيهَا} أي: في تلك الجنات {فَاكِهِينَ} [الدخان: 27] متنعمين مترفهين، كذلك فعلنا بهم معهم من كمال قدرتنا، بعدما أردنا إهلاكهم وانتقامهم بسبب تكذيبهم واستكبارهم على رسولنا، وهكذا نفعل مع كل مكذب متكبر، لا يؤمن بيوم الحساب.
{كَذَلِكَ} بعدما تركوا الكل على ما كان وهلكوا {وَأَوْرَثْنَاهَا} أي: تلك الجنات وما يتفرع عليها من المستلذات المتروكات {قَوْماً آخَرِينَ} [الدخان: 28] لا قرابة بينهم نسبياً وديناً، وهم بنو إسرائيل، وبعدما هلكوا واستؤصلوا.
{فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ} أي: لم تكترثا، ولم تعتدا بهلاكهم واستئصالهم أصلاً، مثل اعتدادهما لهلاك المؤمنين وفقدهم، قال صلى الله عليه وسلم:
"ما من عبد مؤمن إلا له في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل منه عمله فإذا فقداه وبكيا عليه" .
وعن المرتضى الأكبر كرم الله وجهه: إذ مات المؤمن بكى عليه مصله من الأرض ومصعد عمله من السماء، قال السدي: لما قتل الحسين بن علي - رضي الله عنهما - بكت عليه السماء، وبكاؤها عبارة عن حمرة أطرافها.
{وَ} هم من غاية انهماكهم في الغي والضلال واستئصالهم بالمقت والهلاك {مَا كَانُواْ مُنظَرِينَ} [الدخان: 29] ممهلين مؤخرين إلى وقت آخر، بل أخذتهم العزة بإثمهم حيث لا يمهلهم ولا يسوف عليهم ساعة.
{وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} [الدخان: 30] وهو استبعادهم وقتل أبنائهم واستحياء نسائهم استذلاً لا لهم واستهانة عليهم، وإنما نجيناهم كرامة من إياهم وامتناناً عليهم، وكيف لا يهينهم العذاب النازل عليهم.
{مِن فِرْعَوْنَ} الطاغي المتجبر المتكبر على الأرض {إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ} عموم {ٱلْمُسْرِفِينَ} [الدخان: 31] في عصره، متبالغاً في العتو والعناد، والغلبة على العباد أقصى غايته، وبالجملة: لقد أخترناهم أي: بني إسرائيل واصطفيناهم من بين سائر الأمم المعاصرين معهم على علم متعلق منا أنهم أحقاء بالرئاسة والسيادة وأنواع الثروة والجاه على العالمين؛ لكثرة ظهور الأنبياء والرسل فيهم ومنهم وبعد {وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} [الدخان: 32] بعدما اخترناهم.
{وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ} العظام الدالة على كمال اختصاصهم بمزيد الشرف والكرامة {مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ} [الدخان: 33] ظاهر، نختبر به إخلاصهم ورسوخهم على الإيمان.