التفاسير

< >
عرض

إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ
٣٤
إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ
٣٥
فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
٣٦
أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ
٣٧
وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ
٣٨
مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
٣٩
إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ
٤٠
يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ
٤١
إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ
٤٢
-الدخان

تفسير الجيلاني

ثم لما أوضح سبحاه تفضيح حال المجرمين المكذبين لرسول الله قال: {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ} المسرفين المكذبين لك يا أكمل الرسل يعني: قريشاً خذلهم الله {لَيَقُولُونَ} [الدخان: 34] من غاية إنكارهم بقدرة الله، وبما أخبر بنه الرسول، ونطق به الكتاب: {إِنْ هِيَ} أي: ما الموتة التي تعرض لنا {إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ} التي طرأ علينا في دار الدنيا وأزال حياتنا عنا {وَ} بالجملة {مَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} [الدخان: 35] مبعوثين من قبورنا أحياء، ثم نحشرهم للحساب الجزاء كما زعمتم أيها المفترون الكاذبون.
وإن أردتم تصديقنا إياكم في هذه الدعوى {فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا} الذين انقرضوا عن الدنيا أحياء {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الدخان: 36] في دعواكم، إنما قالوا ما قالوا تهكماً واستهزاء.
وبعدما أصروا على عنادهم وبالغوا في إنكارهم، رد الله عليهم على أبلغ وجه وآكده بقوله مستفهما على سبيل التقريع والتوبيخ: {أَهُمْ} يعني: قريشاً {خَيْرٌ} مالاً وجاهاً، وثروة وسيادة {أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} اسم لمن ملك الحمير، ككسرى لملوك فارس، وقيصر لملوك الروم، والمراد: أبو كريب سعيد بن منبل، آمن بنبينا قبل بعثته، فتنحى عن قومه، معللين أنك قد تركت ديننا، فأخذهم الله بجرمهم هذا، وأهلكهم {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من الأمم الهالكة كعاد وثمود {أَهْلَكْنَاهُمْ} مع شدة قوتهم وبسطتهم وكثرة شوكتهم {إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} [الدخان: 37] بالجرائم العيظمة الموجبة للمقت والهلاك، أمثال جرائمكم أيها المجرمون المسرفون.
{وَ} بالجملة: {مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا} من الممتزجات {لَـٰعِبِينَ} [الدخان: 38] عابثين بلا طائل {مَا خَلَقْنَاهُمَآ} وأظهرناها على هذا النمط البديع والنظام العجيب المشتمل على أنواع التغيرات من الكائنات والفاسدات {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} ليستدلوا بها على وحدة ذاتنا، وكمال علمنا وقدرتنا، ومتانة حكمتنا وحكمنا واستقلالنا في تدبيراتنا وتصرفاتنا في ملكنا وملوكتنا {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ} لقصور نظرهم عن إدراك الحكم والأسرار {لاَ يَعْلَمُونَ} [الدخان: 39] ولا يشعرون إلا بالمحسوسات العادية، أولئك القاصرون عن النظر والاستدلال، القانعون باللذات الهيمية من هذا العجيب كالأنعام بل هم أضل سبيلاً وأسوأ حالاً منها.
اذكر لهم يا أكمل الرسل: {إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ} الذي يمتاز فيه المحق عن المبطل والهادي المهتدى عن الضال المضل {مِيقَاتُهُمْ} وموعد جزائهم وقطع خصوماتهم {أَجْمَعِينَ} [الدخان: 40] فيجزى كل منهم حسب ما حوسب، أن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
{يَوْمَ لاَ يُغْنِي} لا يدفع ولا يرفع {مَوْلًى عَن مَّوْلًى} قرابة عن قرابة {شَيْئاً} من الإغناء والدفع مما كتب له من الجزاء ثواباً كان أو عقاباً {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} [الدخان: 41] بعضهم ببعض على سبيل المظاهرة والمعاونة {إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ} بمقتضى فضله وجوده، أو قبل شفاعة أحد من حق أحد عناية منه وعفواً {إِنَّهُ} سبحانه {هُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب القادر على عموم مرادته ومقدوراته {ٱلرَّحِيمُ} [الدخان: 42] المشفق على عباده عند إنابتهم ورجوعهم نحوه، يقبل توبتهم ويعفو زلتهم.