التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
١٣
أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٤
وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحاً تَرْضَٰهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ
١٥
-الأحقاف

تفسير الجيلاني

إن المحسنين {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ} بعدما تحققوا بمقام العبودية {رَبُّنَا ٱللَّهُ} الواحد الأحد الصمد المستقل بالألوهية والربوبية {ثُمَّ} بعدما تمكنوا من مقر التوحيد وتمرنوا عليه {ٱسْتَقَامُواْ} فيه ورسخوا بمحافظة الآداب الشرعية والعقائد الدينية الموضوعة لتأييد أرباب المعرفة، وتمكينهم على جادة التوحيد؛ لئلا يطرأ عليهم التزلزل والانحراف عن صراط الحق وسواء سبيله {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} بعدما وصلوا إلى مقر التمكين {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأحقاف: 13] عن التردد والتلوين، وبالجملة: {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء المقبولون عند الله {أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ} المعدة لأرباب العناية {خَالِدِينَ فِيهَا} بلا تبديل ولا تحويل، وإنما جوزوا {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأحقاف: 14] من الإحسان مع الله بمراعاة الأدب معه سبحانه بملازمة الطاعات والعبادات على وجه الإخلاص والتسليم، ومع عمود عباده بحسن المعاشرة والمصاحبة وأداء حقوق المؤاخاة والموالاة.
ثم اشار سبحانه إلى معظم أخلاق المحسنين المستحقين بخلود الجنة بالفوز العظيم فيها، فقال: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ} أي: ومن جملة ما ألزمنا على الإنسان الاتصاف به والمحافظة عليه حتماً إكرامه {بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَاناً} لهما وحسن الأدب معهما، أداءً لحقوق تربيتهما وحضانتهما له، وكيف لا يحسن إليهما؛ إذ {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ} لأجله حين حبلت به {كُرْهاً} مشقة عظيمة، وألماً شديداً، وحملاً ثقيلاً {وَ} حين {وَضَعَتْهُ} أيضاً {كُرْهاً} أشد من شمقة الحمل، وأكثر ألماً منها {وَ} ليست مشقتها ومقاساتها زماناً قليلاً، بل {حَمْلُهُ} أي: من حمل أمة إياه في بطنها {وَفِصَٰلُهُ} أي: مدة فطامه عن لبنها كلاهما {ثَلٰثُونَ شَهْراً} وهي مدة طويلة، ثم بعد فطامه أيضاً تلازم حفظه وحضانته {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} وكمل عقله ورشده {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} إذ القوة العاقلة إنما تكاملت دونها، لهذا قيل: لم يبعث نبي إلا بعد الأربعين إلا نادراً؟
{قَالَ} بعدما تذكر نعم الحق الفائضة عليه من بدء فطرته إلى أوان رشده وكماله مناجياً مع ربه مستمداً منه: {رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ} أي: أولعني وحرصني بتوفيقك إياي {أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} طل دهري وأواظب على أداء حقوقها حسب طاقتي وقدر قوتي {وَ} كذا أشكر نعمتك التي أنعمت {عَلَىٰ وَالِدَيَّ} إذ أداء حقوقهما، وما لزم عليهما من حقوق نعمك عليك واجبة عليَّ {وَ} كذا حرصني بمقتضى كرمك وجودك {أَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحاً} مطلقاً على الوجه الذي {تَرْضَٰهُ} عني {وَ} بالجملة: {أَصْلِحْ لِي} بمقتضى كرامتك عليَّ عملي، واجعل بفضلك صلاحي سارياً {فِي ذُرِّيَّتِيۤ} ليكونوا صلحاء مثلي، وارثين مستحقين لكرامتك وعنايتك بهدايتهم وصلاحهم {إِنِّي تُبْتُ} ورجعت {إِلَيْكَ} عن جميع ما لا يرضيك من عملي؛ إذ أنت أعلم مني بحالي {مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} إليك يا رب {وَإِنِّي} [الأحقاف: 15] المنقادين لك، المطيعين لحكمك، المفوضين أمورهم كلها إليك؛ إذ لا مقصد لنا غيرك ولا مرجع سواك.