التفاسير

< >
عرض

إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً
١
لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً
٢
وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً
٣
هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
٤
لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً
٥
وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً
٦
وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً
٧
إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً
٨
لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً
٩
-الفتح

تفسير الجيلاني

{إِنَّا} من مقام عظيم جودنا {فَتَحْنَا لَكَ} يا أكمل الرسل {فَتْحاً مُّبِيناً} [الفتح: 1] ظاهراً عظيماً بأن ألهمنا عليك، وأوضحنا لك طريق الخروج من مضيق الإمكان إلى فضاء الوجوب، ويسرنا لك الترقي والعروج ومن حضيض الجهل وأودية الضلال على ذروة العلم وأوج الوصال.
وإنما فتحنا لك ما فتحنا {لِّيَغْفِرَ لَكَ} ويستر عليك {ٱللَّهُ} المحيط بعموم أحوالك وشئونك {مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ} الذي عرض عليك بمقتضى بشريتك وإمكانك قبل انكشافك بوحدة الحق {وَمَا تَأَخَّرَ} بعده من تلويناتك في بعض الأحوال المسرة والمؤلمة حسب النشأة البشرية {وَ} بالجملة: {يُتِمَّ نِعْمَتَهُ} الموعودة لك حسب استعدادك {عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} [الفتح: 2] موصلاً على مقصد التوحيد الذاتي.
{وَ} بالجملة: {يَنصُرَكَ ٱللَّهُ} الوكيل الكفيل لك في عروجك وترقيك عن بقعة الإمكان {نَصْراً عَزِيزاً} [الفتح: 3] منيعاً غالباً حيث لم يغلب عليك بعد انكشافك بسرائر التوحيد جنود أمارتك وشياطين بشريتك مطلقاً.
وكيف لا ينصرك ربك؟ {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ} أي: الطمأنينة والوقار {فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} مقتبسين من مشكاة نبوتك نور الولاية اللامعة المتشعشعة من شمس الذات {لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً} بهدايتك وإرشادك {مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ} بأنك على الحق المبين {وَ} كيف لا يزدادون إيماناً يا أكمل الرسل، مع أنك فزت بالفوز العظيم من الوحدة الذاتية وصرت مصوناً محفوظاً في كنف الحق وجواره، منصوراً على عموم أعدائه؛ إذ {لِلَّهِ} وفي حيطة قدرته الغالبة {جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: مدبرات الأسماء والصفات {وَ} جنود {ٱلأَرْضِ} أي: قوابل الأركان والطبائع التي هي حوامل آثار العلويات المأثورات منها {وَ} بالجملة: {كَانَ ٱللَّهُ} المطلع لعموم ما في استعدادات عباده وقابليتهم {عَلِيماً} بحوائجهم لدى الحاجة {حَكِيماً} [الفتح: 4] في تدبيرات أمورهم على وفق الحكمة المتقنة والمصالحة المستحكمة.
كل ذلك {لِّيُدْخِلَ} سبحانه بمقتضى سعة رحمته وجوده {ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} من أمة حبيبه وصفيِّه المستخلف منه سبحانه في بريته وعموم خليقته {جَنَّاتٍ} منتزهات العلم والعين والحق {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي: جداول المعارف والحقائق المترشحة من بحر الذات {خَالِدِينَ فِيهَا} بلا تلوين وتحويل {وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} أي: يمحو عن عيون بصائرهم أشباح أنانيتهم، وأمواج هوياتهم المستحدثة على بحر الوجود، ومن نكبات التعينات وحرص الإضافات {وَكَانَ ذَلِكَ} الإدخال والإيصال والتكفير {عِندَ ٱللَّهِ} المتعزز برداء العظمة والكبرياء {فَوْزاً عَظِيماً} [الفتح: 5] وأجراً جميلاً، لا فوز أعظم منه وأعلى.
{وَ} كما يدخل سبحانه المؤمنين والمؤمنات في روضات الجنات تفضلاً وإحساناً {يُعَذِّبَ} أيضاً {ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ} وهم الذي أخرجوا أعناقهم عن عروة العبودية بمتابعة الأهوية الفاسدة والآراء الباطلة، وأظهروا الإيمان على طرف اللسان بلا إخلاص وإذعان {وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ} وهم الذين جحدوا في الله الواحد الأحد الصمد، المنزَّه عن الشرك مطلقاً، وأثبتوا له شركاء ظلماً وزوراً {ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ} المستقل بالألوهية والربوبية {ظَنَّ ٱلسَّوْءِ} وهو أنه لا ينصر أولياءه الباذلين مهجهم في طريق توحيدهم، بل تدور {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ} ويحيط بهم وَبَال ما تظنونه على أولياء الله، كيف {وَغَضِبَ ٱللَّهُ} المطلع على ما في ضمائرهم {عَلَيْهِمْ} بل {وَلَعَنَهُمْ} أي: طردهم عن ساحة عز قبوله {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ} الطرد والحرمان {وَسَآءَتْ} لهم جهنم {مَصِيراً} [الفتح: 6] أي: مقراً ومنقلباً ومرجعاً ومآباً.
{وَ} كيف لا يلعنهم سبحانه ولا يغضب عليهم مع أنهم يظنون بالله ظن السوء، ويعتقدونه عاجزاً عن نصر أوليائه، مع أنه {لِلَّهِ} وفي حيطة قدرته وتحت تصرفه {جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} وله أن يأمرهم ما يشاء، ويغلبهم على من يريد إرادةً واختياراً {وَ} الحال أنه قد {كَانَ ٱللَّهُ} المتوحد بالعظمة والكبرياء {عَزِيزاً} غالباً على عموم مراداته ومقدرواته بلا معاونة إحدٍ ومظاهرته {حَكِيماً} [الفتح: 7] في أفعاله المتقنة، يدبرها بالاستقلال وفق حكمته البالغة.
ثم قال سبحانه في مقام الامتنان لحبيبه صلى الله عليه وسلم؛ إظهاراً لكمال قدرته الشاملة وحكمته الكاملة: {إِنَّآ} من مقام عظيم جودنا {أَرْسَلْنَٰكَ} يا أكمل الرسل {شَٰهِداً} على عموم عبادنا، يشهد لهم عندنا عموم ما صدر عنهم من الصالحات الجالبة لأنواع المثوبات والكرامات {وَمُبَشِّراً} بهم، يبشرهم برفع الدرجات والفوز بالسعادات {وَنَذِيراً} [الفتح: 8] ينذرهم عن الدركات العائقة عن الوصول إلى جنة الذات التي دونها تجرى بحر الحياة.
كل ذلك {لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ} وتذعنوا بتوحيده {وَرَسُولِهِ} أي: تصدقوا برسوله الذي أرسل إليهم من عنده سبحانه {وَ} بعد اتصافهم بكمال الإيمان والإذعان {تُعَزِّرُوهُ} سبحانه؛ أي: تعتقدوا أن الحول والقوة بالله جميعاً، لا حول ولا قوة لسواه مطلقاً {وَ} بعدما اعتقدتم كذلكَ {تُوَقِّرُوهُ} وتعظموه حق تعظيمه {وَ} بعدما وقرتموه وعظمتموه كما ينبغي ويليق بشأنه {تُسَبِّحُوهُ} وتنزهوه عما لا يليق بجنابه {بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الفتح: 9] أي: في عموم أوقاتهم وحالاتهم؛ إذ لا يتأتى منهم بالنسبة إلى جنابه سبحانه إلا التفويض والتعظيم والتنزيه والتقديس، وإلا فما للعباد ورب الأرباب أن يتكلموا عن ذاته وصفاته، سوى أن يخوضوا في لجة بحر توحيده، ويتيهوا في بيداء ألوهيته حتى يفنوا في فضاء صمديته؛ إذ لا إله إلا هو ولا شيء سواه
{ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } [القصص: 88].