التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ
٨٧
وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيِّباً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ
٨٨
لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَٱحْفَظُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٨٩
-المائدة

تفسير الجيلاني

ثم لمَّا بلغ النصارى في الإعراض والترهب عن حظوظ الدنيا والذاتها إلى حيث يحرمون على أنفسهم ما أحلَّ الله لهم، وأفرطوا فيه إلى حيث لم يبق مزاجهم على الاعتدال الذي جبلوا عليه، أراد سبحانه أن ينبه على المؤمنين طريقاً مستقيماً، وسبيلاً واضحاً متوسطاً بين طرفي الإفراط والتفريط؛ لئلا يؤدي إلى تخريب المزاج وتحريفه؛ إذ للحق سبحانه في إيجاد الأمزجة صنائع عجيبة، وبدائع غريبة منتشئة عن محض الحكمة الجامع لجميع الأوصاف الذاتية الإلهية من العلم والقدرة والإرادة وغيرها.
فقال منادياً: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} صدِّقوا بدين الإسلام، وامتثلوا ما أمروا فيه ونهوا عنه، عليكم أن {لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} في دينكم {وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ} عن حدود الله؛ ترهباً وتزهداً، مفضياً إلى الرياء والسمعة {إِنَّ ٱللَّهَ} المدبر لعباده {لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87] المجاوزين عن مقتضى تدبيره وإصلاحه.
{وَ} إذا سمعتم من الحق ما سمعتم {كُلُواْ} من طيبات {مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً} غير مسرفين في أكلها {طَيِّباً} من كدِّ يمينكم، وعرق جبينكم مقدار ما يقوم مزاجكم ويقويكم على إقامة أمر الله وأحكامه {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} [المائدة: 88]. موقنون مخلصون عن مجاوزة حدوده وارتكاب محظوراته، واحذروا عن بطشه وانتقامه واعلموا أن خير قوتكم في دنياكم تقواكم ورضاكم، لذلك أوصاكم سبحانه.
ومن جملة الأمور التي تجب محافظتها عليكم في معاشكم،؛ لتكونوا مع المتقين المبرورين عند الله ألاَّ تجترئوا على اليمين والحلف بالله في الوقائع والعقود، سيما على وجه الكذب قصداً واختياراً حتى لا تنحطوا عن مرتبة العدالة الفطرية، ولا تحلقوا بالأخسرين
{ ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا } [الكهف: 104] إلا أن تصدر عنكم هفوة بغتة بلا قصد على ما هو المتعارف عند العرب في أثناء أكثر الكلام: "لا والله" بلا إغراء وتمويه، فإنه معفوٌّ عنكم.
كما قال سبحانه: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ} المجازي عن أعمالكم {بِٱللَّغْوِ} الصادر منكم {فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} بلا قصد وتغرير {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم} ويعذبكم {بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ} أي: بالعقود التي وثقتموها بالأيمان، وحنثتم فيها، فعليكم بعدما حنثتهم أن تجبروها بالكفارة {فَكَفَّارَتُهُ} المسقط نكاله {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ} اي: كساوتهم على هذا الوجه {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} على تفاوت رتبكم ودرجاتكم عسراً أو يسراً.
{فَمَن لَّمْ يَجِدْ} شيئاً منها {فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ} أي: فعليه أن يصوم ثلاثة أيام متوالية؛ زجراً للنفس، وجبراً لما انكسر من المروءة الفطرية {ذٰلِكَ} المذكور {كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} جازمين حقيته وحنثتم، وأمَّا إذا حلفتم كذباً وزوراً - والعياذ بالله - فنكاله لا يسقط عنكم إلا بخلاص التوبة الندامة المؤكدة {وَٱحْفَظُوۤاْ} أيها المؤمنون {أَيْمَانَكُمْ} التي حلفتم بها في مواقعها عن شوب الكذب والشك، بل عن شوب الظن أيضاً إن أردتم أن تبروا فيها، وتقسطوا عند الله، {كَذٰلِكَ} الذي وعظتم به {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} الدالة على توحيده {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 89] رجاء أن تتحققوا في مقام الشكر، تصرفوا ما وهب لكم من العطايا إلى ما اقتضته حكمته.