التفاسير

< >
عرض

ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
١
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ
٢
وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ
٣
وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَٰتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ
٤
فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ
٥
-الأنعام

تفسير الجيلاني

{ٱلْحَمْدُ} والثناء المشعر بالإطاعة والانقياد المنبأ عن التعظيم والتبجيل الذاتي الصادر عن ألسنة جميع من يدخل في حيطة الوجود، المعترف بتوحيده سبحانه وتفريده استقلالاً ثابتاً {للَّهِ} المستقل بالألوهية، المتوحد في الربوبية، المستحق في العبودية، وكيف لا يستحق سبحانه مع أنه القادر {ٱلَّذِي خَلَقَ} وقدر {ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} أي: أظهر علويات الأسماء والصفات وسفليات الطبيعة العدمية القابلة لانعكاس أشعة العلويات {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ} أي: أنشأ حجب التعينات {وَٱلنُّورَ} أيك ظل الوجود المنبسط عليها {ثْمَّ} بعدما ظهر إشراق نور الوجود، ولمع أضاء شمس الذات {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ} أي: ستروا بهويتهم الباطلة هويته الحقيقة السارة في الآفاق أزلاً وأبداً {يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1] يميلون وينحرفون عن طريق الحق جهلاً وعناداً.
وكيف تعدلون عن طريق الحق وتسترون هويته مع هوياتكم الباطلة أيها التائهون في تيه الضلال؟! إنه: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} أي: قدر وجودكم {مِّن طِينٍ} جماد قريب من العدم {ثُمَّ قَضَىۤ} وقدر {أَجَلاً} لحياتكم في النشاة الأولى {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} مقدر {عِندَهُ} لفنائكم فيه في النشأة الأخرى {ثُمَّ أَنتُمْ} بعدما علمتم وتحققتم منشأكم ونشأتكم الأولى {تَمْتَرُونَ} [الأنعام: 2] تشكون في النشأة الأخرى.
{وَ} كيف تمتمرون وتشكون فيها مع أنه {هُوَ ٱللَّهُ} القادر المتوحد المتفرد المتجلي {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلأَرْضِ} بالاستقلال والانفراد {يَعْلَمُ} بعلمه الحضوري {سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} [الأنعام: 3] من خير وشر ونفعوضر في نشأتكم الأولى.
{وَ} من أمارات كفرهم وسترهم أنهم {مَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ} عظيمة دالة على توحيد الحق بلسان رسول من الرسل العظام {مِّنْ آيَٰتِ رَبِّهِمْ} المتوحد بالربوبية {إِلاَّ كَانُواْ} من غاية كفرهم وجهلهم {عَنْهَا مُعْرِضِينَ} [الأنعام:4].
ومن غاية إعراضهم وإلحادهم عن طريق الرشاد {فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ} المطابق المواقع الذي هو القرآن الجامع {لَمَّا جَآءَهُمْ} بلسان من هو أعلى مرتبة ومكانة عند الله، وأكمل ديناً وأقوم طريقاً فكذبوه واستهزءوا به {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ} وسيظهر لهم في النشأة الأولى والأخرى {أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} [الأنعام: 5] حين نزول العذاب عليهم في الدنيا بضرب الذلة والمسكنة والجزية والصغار، وفي الآخرة العذاب والنكال المخلد.