التفاسير

< >
عرض

أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ
٩٩
أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ
١٠٠
تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَٰفِرِينَ
١٠١
وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ
١٠٢
-الأعراف

تفسير الجيلاني

وبالجملة: {أَفَأَمِنُواْ} أولئك المنهمكمون في الغفلة {مَكْرَ ٱللَّهِ} المراقب لجميع أحوالهم، ولم يخافوا ولم يحزنوا من أخذه وانتقامه، ولم يتفطنوا أن من أمن عن مكره وأخذه فقد خسر خسراناً مبيناً {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ} المنتقم المقتدر {إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99] المقصرون على الخسران الأبدي والشقاق السرمدي في أصل فطرتهم وقابلياتهم.
{أَوَلَمْ يَهْدِ} أي: ألم يذكروا ولم يبين الغيور أحوال الأمم الهالكة، وأخذنا إياهم بما صدر عنهم من تكذيب الأنبياء؟ وما جاءوا به من عندنا من الأوامر والنواهي {لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ} خلفاْ {مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ} الهالكين بالجرائم المذكورة {أَن لَّوْ نَشَآءُ} بمقتضى قهرنا وجلالنا {أَصَبْنَاهُمْ} أي: الخلفاء أيضاً {بِذُنُوبِهِمْ} التي صدرت عنهم مثل أسلافهم، بل بأضعاهم وآلافهم {وَ} من علامات أخذنا وانتقامنا عنهم: أنا {نَطْبَعُ} ونختم {عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} كيلا يفهموا؛ ليعتبروا {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} [الأعراف: 100] بسبب ذلك حتى يتعظوا به.
وبالجملة: {تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ} الهالكة التي {نَقُصُّ عَلَيْكَ} يا أكمل الرسل في كتابنا هذا {مِنْ} بعض {أَنبَآئِهَا} قصصها وأخبارها وجرائمها مع الله ورسله {وَ} الله {لَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ} الواضحة والمعجزات القاطعة الساطعة، وهم من خبث طينتهم وشدة شكيمتهمه وضغينتهم {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} أي: قبل إرسال الرسل عليهم، بل أصروا على ما هم عليه ولم يؤمنوا أصلاً، ولم يقبلوا من الرسل جميع ما جاءوا به {كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ} ويختم سبحانه بمقتضى قهره {عَلَىٰ قُلُوبِ} جميع {ٱلْكَٰفِرِينَ} [الأعراف: 101] فلا تعجبل يا أكمل الرسل حال أهل مكة وإصرارهم ولا تحزن عليهم، ولا تك في ضيق من مكائدهم؛ إذ هي من الديدنة القديمة والخصلة الذميمة المستمرة بين الكفرة.
{وَ} من جملة أخلاقهم الذميمة وخصلتهم القبيحة أيضاً: نقض العهد والمواثيق لذلك {مَا وَجَدْنَا} وصادفنا {لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ} أيضاً على لسان رسلنا موفين له {وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} [الأعراف: 102] أي: بل ما وجدنا أكثرهم بعدما عهدناهم إلا فاسقين، ناقضين لعهودنا ومواثيقنا.