التفاسير

< >
عرض

وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ
١٧٠
وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
١٧١
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ
١٧٢
أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ
١٧٣
وَكَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
١٧٤
-الأعراف

تفسير الجيلاني

{وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ} أي: يتمسكون منهم {بِٱلْكِتَابِ} أي: بما أمرناهم في التوراة ونهينا فيه {وَ} مع ذلك {أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي: داوموا وواظبوا على الميل إلينا علىما بيناهم فيها فعلينا أجرهم {إِنَّا لاَ نُضِيعُ} ولا نهمل {أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ} [الأعراف: 170] الذين يصلحون ظواهرهم بالشرائع والأحام المنزلة من عندنا، وبواطنهم بالإخلاص والتوحيد المسقط للإضافات مطلقاً.
{وَ} اذكر وقت {إِذ نَتَقْنَا} أي: قطعنا {ٱلْجَبَلَ} من مكانه، ورفعنا {فَوْقَهُمْ} يظل عليهم {كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} يسقف فوق رءوسهم {وَظَنُّوۤاْ} من قبح صنيعهم {أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ} إلى أن قلنا لهم: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم} من مأمورات التوراة {بِقُوَّةٍ} عزيمة صادقة وعزم خالص في أوامره وأحكامه {وَٱذْكُرُواْ} أيك اتعظوا وتذكروا {مَا فِيهِ} من الموعظة والتذكيرات {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأعراف: 171] تنتهون عن قبائح أعمالكم ورذائل أخلاقكم.
{وَ} نقض العهود والمواثيق، والإعراف عن التكاليف والمشاق ليس مما يختص هؤلاء المعرضين، بل من الديدنة القديمة لبني آدم وقت {إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ} يا أكمل الرسل {مِن بَنِيۤ ءَادَمَ} حيث أخرجهم {مِن ظُهُورِهِمْ} من ظهور آبائهم وأصلابهم على التوليد المتعارف {ذُرِّيَّتَهُمْ} أي: أولادهم بطناً بعد بطن {وَأَشْهَدَهُمْ} أي: أحضرهم وأطلعهم {عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} أي: أرواحهم الفائظة لهم، المنفوخة فيهم من روحنا، ثمَّ قلنا لهم بعدما شهدوا منشأهم وعلموا أصلهم: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} الذي أوجدكم وأظهركم من كتم العدم بنفخ روحي فيكم؟
{قَالُواْ} بألسنة استعداداتهم: {بَلَىٰ شَهِدْنَآ} بعدما أشهدتنا أنت ربنا، لا رب لنا سواك، ولا مظهر لنا غيرك فأخذ سبحانه منهم الميثاق حينئذٍ، وإنما أخذ منهم الميثاق على هذا؛ كراهة {أَن تَقُولُواْ} على سبيل المجادلة والمراء حين أخذهم {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} بجرائمهم الصادرة عنهم، المقتضية لنقض العهد: {إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا} أي: عن ربوبيتك واستقلالك فيها {غَافِلِينَ} [الأعراف: 172] غير عاليمن بها ولا منبهين عليها.
{أَوْ تَقُولُوۤاْ} لو لم يأخذ سبحانه العهد من جميعهم: {إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً} ضعافاً {مِّن بَعْدِهِمْ} فنقلدهم {أَفَتُهْلِكُنَا} وتأخذنا يا ربنا {بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ} [الأعراف: 173] أي: بفعل آبائنا ا لذين أشركوا بك، مع أنَّا لم نكن حينئذٍ من أصحاب الرأي؟! وأخذك بجرائمهم ظلم علينا؛ لذلك أخذ سبحانه الميثاق من جميع بني آدم؛ حتى لا يبقى لهم حجة عليه سبحانه.
{وَكَذٰلِكَ نُفَصِّلُ} نبيٍّن ونوضح على وجه الخصوص والعموم {ٱلآيَاتِ} الدالة على توحيدنا على اليهود {وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 174] رجاء أن يتنبهوا فيرجعوا نحونا، ومع ذلك لم يرجعوا ولم يتنبهوا أصلاً.