التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ
١٧٩
وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٨٠
وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
١٨١
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ
١٨٢
-الأعراف

تفسير الجيلاني

ثمَّ قال سبحانه: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا} أوجدنا وأظهرنا {لِجَهَنَّمَ} البعد والخذلان ونيران الإمكان والحرمان {كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} مع أن {لَهُمْ قُلُوبٌ} هي مناط التكاليف ومحال الإيمان والإيقان، وهم {لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} ليحصل لهم مرتبة اليقين العلمي واللدني {وَلَهُمْ} أيضاً {أَعْيُنٌ} هي سبب مشاهدة الآثار والاستدلال منها على الأوصاف الموجدة لها، المرتبة على الذات الإلهي، وهم {لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} ليحصل لهم مرتبة اليقين العيني.
{وَلَهُمْ} أيضاً {آذَانٌ} وهي آلات السماع كلمة الحق ووسائق إلى اكتساب الفاضائل المنبهة على ما في نفوسهم من الأسرار المكنونة الإلهية، وهم {لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ} ليحصل لهم الترقي إلى مرتبة اليقين العيني إلى اليقين الحقي، وبالجملة: {أُوْلَـٰئِكَ} الحمقاء الجهلاء، المتصفون بأوصاف العقلاء، العرفاء {كَٱلأَنْعَامِ} في عدم الشعور والتنبه {بَلْ هُمْ} بسبب تضييع استعدادهم {أَضَلُّ} من الأنعام بمراتب، وبالجملة: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179] المقصرون على الغفلة المؤبدة، المتناهون فيها أقصى الغاية.
{وَ} اعلموا أيها الفضلاء العرفاء، الموحدون أن {للَّهِ} المتوحد المتفرد في ذاته {ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} التي تترتب عليها الصفات العليا، المترتبة عليها الآثار الحادثة في عالم الكون والفساد، والشهادة والغيب، والنشأة الأولى والأخرى {فَٱدْعُوهُ} سبحانه أيها الموحدون {بِهَا} وأسندوا الحوادث الكائنة إليها أولاً وبالذات {وَذَرُواْ} أي: دعوا واتركوا أقوال {ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ} يميلون ويشركون {فِيۤ أَسْمَآئِهِ} بنسبة الحوادث إلى الأسباب أولاً وباللذات، واهجروا مذاهبهم، واعتزلوا عنه وعن مجالستهم، واعلموا أن كل أحد {سَيُجْزَوْنَ} على مقتضى {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 180] إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
ثمَّ قال سبحانه كلاماً كلياً، جملياً شاملاً على جميع الملل والأديان، فقال: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ} أظهرناهم على صورتنا {أُمَّةٌ} مستخلفة عناهم {يَهْدُونَ} الناس إلينا، ملتبسين {بِٱلْحَقِّ} المطابق للواقع {وَبِهِ} أي: بالحق لا بغيره؛ إذ لا غير {يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 181] يقسطون وينصفون في الأحكام.
{وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا} الدالة على توحيدنا، المنزلة على رسلنا {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ} سنستضلهم ونستزلهم قليلاً قليلا إلى أن نهلكهم بالمرة، وندخلهم في جنهم البعد وسعير الإمكان {مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 182] ولا يفهمون كيف وقعوا فيها.