التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ فَمَا ٱخْتَلَفُواْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
٩٣
فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ
٩٤
وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ
٩٥
إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ
٩٦
وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ
٩٧
فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ
٩٨
-يونس

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن أهل الصدق والعرفان وأهل الاختلاف والخذلان بقوله تعالى: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ} [يونس: 93] قوله تعالى: {بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} يشير بإسرائيل إلى الروح العلوي، وببنيه إلى القلب والسر فإنهما من لذات دون النفس؛ لأنها إن كانت من مولداته ولكنها من البنات لا من البنين {مُبَوَّأَ صِدْقٍ} منزلاً عليّاً في جوار الروح أتى طبعاً.
{وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} [يونس: 93] أي: من الفيض الرباني الفائض الروح العلوي بإنهما خلقا متصفين بصفات الروح، وما يلي إلى عالم العلوي من الحضرة من صفة الرحمانية فيفيض من الروح على القلب؛ لأن القلب من الروح بمنزلة العرش من الرب وهو محل استواء صفة الرحمانية من الرب يعني: محل ظهوره هذه الصفة الاختصاصية بقبول فيض هذه الصفة أولاً، كذلك مستوى عرش القلب وهو قابل الفيض الروحانية أولاً، فكل ما فاض من صفة الرحمانية على الروح يفيض الروح على القلب والسر، فافهم جدّاً.
{فَمَا ٱخْتَلَفُواْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} [يونس: 93] أي: ما اختلف القلب والسر من وصف خلقهما على الصفات الروحانية حتى جاءهم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وأحكام القرآن، وأركان الشريعة، والسير إلى الله تعالى على أقدام الطريقة، والوصول إلى عالم الحقيقة، وذلك عند البلوغ وجذب تكاليف الشرع، المقبل من قبلها صار مقبولاً، والمدبر من دبرها فصار مردوداً، وأيضاً بقوله: {مُبَوَّأَ صِدْقٍ} [يونس: 93] أي: بين الأصبعين من أصابع الرحمن، فإنه مأوى القلوب متوجهين إلى حضرت الجلال، {فَمَا ٱخْتَلَفُواْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} [يونس: 93]؛ أي: ما تغيروا عن أحوالهم حتى أدركهم علم الله الأزلي بما قدر وقفي فيهم بالسعادة والشقاوة، فأقام قلوب أهل السعادة على الطاعة والعبودية، وقبول الدعوة، وطلب الحق، وأزاغ قلوب أهل الشقاوة عنها إلى المعصية والتمرد ورد الدعوة وترك الحق.
{إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ} [يونس: 93] بالقبول والرد {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [يونس: 93] على قدر اختلافهم وتغير أحوالهم، {فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [يونس: 93] بأقوالهم وأعمالهم وأحوالهم، قال: الأعمال نتائج الأحوال، والأقوال من نتائج الأعمال.
ثم أخبر عن أهل الشك والتكذيب وأهل الحجج والتقريب بقوله تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ} [يونس: 94] إلى قوله: {وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} [يونس: 98].
قوله: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ} [يونس: 94] أي: مما خصصناك به من سائر الأنبياء والمرسلين من خصوصية ختم النبوة، وخيرية الأمة، وإعطائك الحق المودود والمقام المحمود، وغير ذلك من المواهب السنية والمراتب العلية مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
{فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} [يونس: 94] فإنا قد بينا في الكتب المنزلة طرفاً عن علو قدرك، وعظم شأنك، ورفعة مكانك، ورتبة سلطانك؛ ليتحقق لك ويتبين عندك أن ما جاءه من الحق فهو حقك لا تغير فيه ولا تبديل، وذلك أن الله تعالى خلق الإنسان ضعيفاً فصبر النظر وفي الهمة، فإذا أنعم عليه بفتح باب الكرامات وهبوب رياح السعادات يكتال عليه بأدنى الكيل ما يضيق به ذرعه وينكسر به فرعه، فلا يحمل مايحتمل عليه، ولا يتحقق ما ينفعل به لديه، فيقلن: أنه مما يخادع به الأطفال وشك فيما يصادفه من الآمال، بل هو من كرامة الأحياء، أو من وخامة الابتلاء.
فكان النبي صلى الله عليه وسلم من خصوصية
{ قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ } [الكهف: 110] يرتع في هذه الرياض باختصاص { يُوحَىٰ إِلَيَّ } [الكهف: 110] يسقى بكاسات المناولات من تلك الحياض، فشك عند سكره من شراب الوصال إذا أدبر عليه بإقدام الجمال والجلال أنها في شهود التلوين، أو من كشوف التمكين حتى أدركته العناية الأزلية والسابقة الأولية فأكرم بخطاب: {لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} [يونس: 94] فتحقق الاجتباء، وزال عنه الأسر لما بدل سكره بالصحو، وزالت صفات بشريته إلى المحو، بل كان هذا فما كان النهي نهي التكوين به كلام الأزلي فخاطبه في الأزل وهو بعد في العدم.
{فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} [يونس: 94] ممترياً كما قال:
{ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ } [الأنعام: 35] فما كان جاهلاً، فلهذا قال صلى الله عليه وسلم: "لا أشك ولا أسأل" .
{إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} [يونس: 96] وهي قوله: هؤلاء في النار ولا أبالي؛ أي: وجبت عليهم النار سبق هذه الكلمة فيهم، {لاَ يُؤْمِنُونَ} [يونس: 96] {وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ} [يونس: 97] لأنهم خلقوا مستعدين للعمى والضلالة، كما قال الله تعالى: { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً } [الأعراف: 179]، وقال: { أَفَأَنْتَ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ } [يونس: 43] فهؤلاء خلقوا ليكونوا مظهر صفات الذين لا يؤمنون، {حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} [يونس: 97] وهو عذاب البعد وألم الفراق.
ثم أخبر أن إيمان الناس ما قبل عن قوم إلا قوم يونس عليه السلام فقال تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ} [يونس: 98] وذلك لأن أقواماً آخرين آمنوا حين عاشوا العذاب وغشيهم بقية مثل: فرعون وقومه، وقوم لوط، وقوم نوح وغيرهم من الأمم فآمنوا حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً، وما آمنوا بالغيب، وإنما الإيمان للقبول هو الإيمان بالغيب كقوله تعالى:
{ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ } [البقرة: 3] وقوم يونس عليه السلام لمَّا أصبحوا رأوا غيماً العذاب كما وعدهم يونس عليه السلام آمنوا وصدقوا يونس فيما وعدهم قبل العيان، وكان إيمانهم بالغيب، وتابوا إلى الله بالصدق، { دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ } [يونس: 22] بالتضرع والابتهال، فاستجاب الله دعوتهم وقبل توبتهم.
ومن أمارة سعادتهم أنه ما جاءهم العذاب بغتة كما جاء لأقوام آخرين كقوله تعالى:
{ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } [يوسف: 107] وأنهم مكنوا حتى التجأوا إلى الله تعالى ودعوه مضطرين، فإنه من سنة كرمه تعالى أن يجيب المضطر إذا دعا وما يكن غيرهم للالتجاء وخلوص الدعاء، فكان إيمان قوم يونس عليه السلام إيماناً حقيقاً مقبولاً كما قال تعالى: {لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ} [يونس: 98] بالإيمان والأعمال الصحالة، {إِلَىٰ حِينٍ} [يونس: 98] آجالهم.