التفاسير

< >
عرض

وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ
١١٤
وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ
١١٥
فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ
١١٦
وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ
١١٧
وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ
١١٨
إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ
١١٩
-هود

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن سيئات الأولياء؛ لأنها تذهبها حسناتهم بقوله تعالى: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ} [هود: 114] إلى قوله: {أَجْمَعِينَ} [هود: 119] بقوله تعالى: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ} يشير إلى أن مرور ساعات عمر الإنسان وأوقاته عليه، مقوبل له وهو في الخسران منه إلا أن يكون مردودها عليه في الأعمال الصالحة يدل على هذا قوله تعالى: { وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ } [العصر: 1-3] وذلك لأن تعلق الروح النوراني العلوي بالجسد الظلماني السفلى موجب لخسران الروح إلا أن تتدراكه أنوار الأعمال الصالحة الشرعية فتربي الروح وترقيه من حضيض البشرية إلى ذروة الروحانية؛ بل إلى الوحدانية الربانية وتدفع عنه ظلمة الجسد السفلى كما أن إلقاء الحبة في الأرض موجب الخسران الحبة إلا أن يتداركها الماء فيربيها إلى أن تصير الحبة الواحدة إلى سبعمائة حبة واللهُ يضاعف لمن يشاء، فكذلك خص الله تعالى من أوقات عمر العبد طرفي النهار.
{وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ} [هود: 114] من الليل من أيام عمره بأن يصرف في إقامة الصلاة، وبه يشير إلى إدامة الذكر والطاعة والعبادة في أكثر النهار، ويصرف منه مقدار ما كان له ضرورة من الحاجات الإنسانية، فيها، {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ} [هود: 114] أي: ويصرف بعض ساعات الليل على قدر الصدق في الطلب في الذكر والطاعة، ويتسريح في بعضها؛ لاسترواح القوى البشرية، ودفع كلالة الحواس ليقوم في أثناء الليل منشاطاً للذكر والطاعة.
{إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} [هود: 114] أي: أنوار الحسنات وهي الأعمال الصالحة والذكر في المراقبة في طرفي النهار وزلفاً من الليل يذهبن ظلمات سيئات الأوقات التي تصرف في قضاء الحوائج النفسانية الإنسانية وما يتولد من الاشتغال بها، {ذٰلِكَ} [هود: 114] أي: الذي أشرنا إليه، {ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114] عظة لأهل الذكر
{ ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ } [آل عمران: 191] أي: رقود أجسادهم ذاكراً أرواحهم، {وَٱصْبِرْ} [هود: 115] يعني: أيها الطالب الصادق والفاسق والوامق على صرف الأوقات في طلب المحبوب بدوام الذكر، ومراقبة القلب، وترك الشهوات، ومخالفة الهوى والطبيعة.
{فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [هود: 115] أي: سعي الطالبين كما قال الله تعالى:
"ألا من طلبني وجدني" ؛ لأن من سنة كلامه قوله تعالى: "من تقرب إلي شبراً تقرب إليه ذراعاً" ، {فَلَوْلاَ} [هود: 116] فهلا، {كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ} [هود: 116] من أرباب النظر وأصحاب القلوب، {يَنْهَوْنَ} [هود: 116] أهل الكفر والطغيان والفسوق، {عَنِ ٱلْفَسَادِ} [هود: 116] أي: عن إفساد استعدادهم، {فِي ٱلأَرْضِ} [هود: 116] أي: في الصرف لشهوات أرض البشرية.
{إِلاَّ قَلِيلاً} [هود: 116] من الأنبياء وأتباعهم الذين كانوا ينهونهم فلا يتناهون عما نهوا عنه، {مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ} [هود: 116] أي: من جملتهم، {وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} [هود: 116] إذ لم يتناهوا عما نهوا عنه، {مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ} [هود: 116] من شهوات الدنيا ولذاتها، {وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ} [هود: 116]؛ إذ لم يتناهوا عما نهوا عنه، فأهلكوا جميعاً به يشير إلى أن كل قوم لم يكن فيهم آمر بالمعروف وناهٍ عن المنكر من أرباب الصدق وهم مجتمعون على الفساد؛ إذ لا يأتمرون بالأمر بالمعروف ولا يتناهون بالنهي عن المنكر فإنهم هالكون.
{وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ} [هود: 117] أي: بغير استحقاق الهلاك، {وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117] والصلاح من يصرف استعداده الفطري في طلب الحق، ولا يفسده مع طلب غيره، {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} [هود: 118] في طلب الحق، {وَلاَ يَزَالُونَ} [هود: 118] الخلق {مُخْتَلِفِينَ} [هود: 118] في الطلب، فمنهم: من طلب الدنيا، ومنهم: من طلب الآخرة، ومنهم: من طلب الحق تعالى: {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} [هود: 119] فأخرجهم بنور رحمته عن ظلمة طبيعتهم الجسمانية والروحانية إلى نور طلب الربوبية، فلا يكونون طلاباً للدنيا والعقبى؛ بل يكونون طلاب جمال الله وجلاله.
{وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 119] أي: ولطلب الله تعالى خلقهم، وأكرمهم بحسن استعدادهم للطب، وفضلهم على العالمين بفضيلة الوجدان، {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} [هود: 119] في الأزل؛ إذ قال:
"هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي" ، {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ} أي: من الأرواح المستهلكة المتمردة وهم: إبليس وأتباعه، {وَٱلنَّاسِ} [هود: 119] وهم: النفوس الأمارات بالسوء، {أَجْمَعِينَ} [هود: 119] كلهم الفريقين المعرضين عن الله تعالى وطلبه.