التفاسير

< >
عرض

وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ
٢٩
وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ
٣٠
وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْراً ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيۤ أَنْفُسِهِمْ إِنِّيۤ إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ
٣١
قَالُواْ يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ
٣٢
-هود

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} [هود: 29] أي: على دعوتكم من السفليات إلى العلويات وجوار رب العالمين، {مَالاً} [هود: 29] مما يميلون إليه من الشهوات السفلية؛ لأنها ليست من مشاربه، {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} [هود: 29] لما دون مشروبي هو الواردات الإلهية والشواهد الربانية، {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ} [هود: 29] يشير إلى أن النفس من طبعها أنها تنادي من استعمال البدن وجوارحه في تكاليف الشرع فيستدعي من الروح ويقول: أتريد أن أؤمن بك وأتخلق بأخلاقك، فامنع البدن وجوارحه من استعمال الشرعية فيجتنبها الروح ويقول: {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ} مانع الذين آمنوا من البدن وجوارحه من استعمال الشرعية؛ لأنهم اعتقدوا {إِنَّهُمْ مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ} بالعين التي هي ناظر بهم وهي مستفادة من رؤية الحق من الأنوار المودعة في أعمال الشريعة.
{وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ} [هود: 29] يا نفس الهوى الطبيعة، {قَوْماً تَجْهَلُونَ} [هود: 29] لا تقبلون بجهلكم دعوة قبلها البدن وجوارحه في العبودية للرجوع إلى حضرة الربوبية والاستعداد بالرؤية.
{وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ} [هود: 30] أي: من يمنعني من عذاب الله وقهره إن منعت البدن من الطاعة والعبودية، واقتصر على تجرد يقين النفس وتخلقها بأخلاق الروح كما هو معتقد أهل الفلاسفة وأهل الإباحة بأن يقولوا: إن أصل العبودية معرفة الربوبية وجمعية الباطن والتحلية بالأخلاق الحميدة، فلا عبرة للأعمال البدنية كذبوا الله ورسوله فضلوا وأضلوا كثيراً، وإن القول ما قال المشايخ: الظاهر عنوان الباطن، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
"لا يستقيم إيمان أحدكم حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يستقيم لسانه حتى تستقيم أعماله" يعني: أركان الشريعة على جوارحه.
{أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} [هود: 30] أن جمعية الباطن واستقامة الإيمان من نتائج استعمال الشريعة في الظاهر، والجمعية الحقيقية في الباطن هي المتولدة من الأنوار المودعة في أركان الشرع تسري إلى الباطن عن استعمال الشريعة في الظاهر وإن الله تعالى أودع النور في الشرع والظلمة في الطبع، وإنما بعث الأنبياء ليخرجوا الخلق من ظلمات الطبع إلى نور الشرع، فافهم جدّاً.
{وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ} [هود: 31] يعني: المواهب المخزونة المكنونة عند الله في الغيب، {وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} [هود: 31] أي: وما أنا بقادر على ما في الغيب المعنى ليس في هذه الأشياء لأدعوكم إلى نفسي وأدعوكم إلى اتباعي بها، {وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ} [هود: 31] لا أحتاج في الاستكمال إلى البدن وجوارحه، {وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ} [هود: 31] أي: البدن وجوارحه الذين تنظرون إليهم بنظر الحقارة، {لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْراً} [هود: 31] أي: استعداداً لتحصيل الدرجات العلوية إذ هم مخلوقون من السفليات، {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيۤ أَنْفُسِهِمْ} [هود: 31] أي: في نفس كل جارحة من استعداد تحصيل الكمال.
{إِنِّيۤ إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ} [هود: 31] أي: منعتهم عن العبودية، {قَالُواْ يٰنُوحُ} أي: يا رو ح، {قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} في طلب الحق ووعدتنا العذاب على رد الدعوة، {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ} من العذاب، {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} [هود: 32].