التفاسير

< >
عرض

وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِيۤ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ
٨٩
وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ
٩٠
قَالُواْ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ
٩١
قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
٩٢
وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَٰمِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَٰذِبٌ وَٱرْتَقِبُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ
٩٣
-هود

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِيۤ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ} [هود: 89] من العذاب، وذلك إن في طبيعة الإنسان مركوزة من صفات الشيطنة الإباء والاستكبار، ومن طبعه أنه حريص على ما تبع كان آدم عليه السلام لما منع من أكل الشجرة حرص على أكلها، فلهاتين الصفتين إذا أمر بشيء أبى واستكبر، وإذا نهى عن شيء حرص على إتيانه لا سيما إذا صدر الأمر والنهي من إنسان مثله، فإن طاعة الله هينة القبول بالنسبة إلى طاعة المخلوق؛ ولأن في الطاعة ذلة وهواناً وكسراً للنفس، وأن ما يحتمل المخلوق من خالقه أكثر مما يحتمله من مخلوق مثله، ولهذا السر بعث الله الأنبياء - عليهم السلام - وأمر الخلق بطاعتهم، فقال: { أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } [النساء: 59] فمن كان موفقاً من الله تعالى بالعناية الأزلية يأمر بما أمر به، وينتهي عما نهي عنه، ويطيع الرسل فيما جاءوا به أخرجته الطاعة من ظلمات صفات المخلوقة إلى نور صفاته الخالقية، ومن أدركته الشقاوة في الأزل تدراكه الخذلان، ووكل إلى نفسه وطبعه، فلا يطيع الله ورسوله، ويتمرد عن قبول الدعوة، ويستكبر على الرسول ويعاديه، ويزد بمعاداته ما أمره الله به فيصيبه قهر الله وعذابه.
{مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ} [هود: 89] أي: وما معاملة قوم لوط من معاملتكم وذنوبهم من ذنوبكم ببعيد؛ لأن الكفر كله من جنس واحد وصفات الكفر قريب بعضها من بعض، {وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} [هود: 90] من صفات الكفر ومعاملته وبدلوها بصفات الإسلام ومعاملته، فإنها تزكية النفوس عن الصفات الذميمة، {ثُمَّ تُوبُوۤاْ} [هود: 90] أي: ارجعوا، {إِلَيْهِ} [هود: 90] على قدمي الشريعة والطريقة سائرين منكم به؛ ليحليكم بتحلية الحقيقة وهي الفناء عنكم والبقاء به، {إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ} [هود: 90] السائرين منهم إليه بالتوفيق والتيسير، {وَدُودٌ} [هود: 90] محب لمحبة هاد لطالبيه، {قَالُواْ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ} [هود: 91] في ذلك؛ لأنهم كانوا من القلب وفقهه بمعزل لهم
{ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا } [الأعراف: 179].
{وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً} [هود: 91] أي: ضعيف الرأي ناقص العقل؛ وذلك لأنه كما يرى العاقل السفيه ضعيف الرأي يرى السفيه العاقل ضعيف الرأي، {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} [هود: 91] يشير إلى أن الجاهل بصير برؤية الخلق أعمى برؤية الحق، فهؤلاء قد رأوا رهط شعيب، وأنهم حفظته ومنعتهم عنهم وما قالوا: إن الله تعالى حافظه وناصره، ولهذا قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم:
{ لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ } [الحشر: 13]، ولهذا المعنى، قالوا: {وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [هود: 91] يشير إلى من كان على الله تعالى عزيزاً، فإنه ليس على الجاهل بعزيز، {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً} [هود: 92] أي: جعلتم الخلق من أعينكم فتفزعون منهم، وجعلتم الله وراء ظهوركم فلا تفزعون منه، {إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ} [هود: 92] في ظاهركم وبما تسترون في باطنكم، {مُحِيطٌ} [هود: 92] علمه فيجازيكم به.
{وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} يعني: إذ لا تقبلوا نصيحتي وتعلمون بالطبيعة اعملوا على تمكنكم بالخذلان، {إِنِّي عَٰمِلٌ} [هود: 93] بالتوفيق في الله، {سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} [هود: 93] وهو عذب البعد والقطيعة، {وَمَنْ هُوَ كَٰذِبٌ} [هود: 93] في دعواه من بيننا، {وَٱرْتَقِبُوۤاْ} [هود: 93] سخط الله فيما أدعيتم، {إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} [هود: 93] رقيب مرتقب رضاء الله فيما ادعيت.