التفاسير

< >
عرض

وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ
٥٨
وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ
٥٩
فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ
٦٠
قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ
٦١
وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ ٱجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنْقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
٦٢
-يوسف

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

كما قال تعالى: {وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ}، وهم الأوصاف البشرية، {فَعَرَفَهُمْ} يوسف القلب؛ لأنه ينظر بنور الله، {وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} [يوسف: 58] لبقائهم في الظلمة، وحرمانهم عن نور التوبة والاستغفار، وكذا كان حال يوسف مع إخوته فإنه عرفهم بنور المعرفة والنبوة.
{وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} لبقاء ظلمة معاصيهم وحرمانهم عن نور النبوة والاستغفار، ولو عرفوه حق المعرفة ما باعوه بثمن بخس، ولو لم يعرفهم يوسف أنهم أولاد الأنبياء، وأنهم مستعدون للنبوة ما عفي عنهم واستغفر لهم،
{ قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ } [يوسف: 92] وما أحل فعلهم إلى الشيطان، وقال: { أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ } [يوسف: 100].
{وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ} [يوسف: 59] يشير إلى يوسف القلب لمَّا التجأت إليه أوصاف البشرية بدل صفاتها المذمومة النفسانية بالصفات المحمودة الروحانية، واستدعى منها استحضار بنيامين السر وهو أخو يوسف القلب حقاً، وذلك أن السر لا يحضر مع القلب إلا بعد تبديل الصفات الذميمة بالحميدة، وإذا حضر السر مع القلب يوفى إليه بأوفى الكيل ما لم يوف إلى الأوصاف البشرية.
ثم قال: {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ} [يوسف: 60] يشير إلى أن كيل الأوصاف إنما يكون بكيل السر وحضوره مع القلب بعد خلاصه عن تصرف الأوصاف، فإذا لم يكن خلاصه عنهم فلا يكن لهم عند القلب كيل حقيقي بتبديل أوصافهم ولا قوة لهم عند القلب فأجابوه، {قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ} [يوسف: 61] نخدع عنه إياه بإبقاء الكيل عليه كما أوفيت علينا، {وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ} [يوسف: 61] ما نريد من إخفاء السر.
{وَقَالَ} [يوسف: 62] يعني: يوسف القلب، {لِفِتْيَانِهِ} [يوسف: 62] أي: لصفاته في الأصل، {ٱجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ} [يوسف: 62] أي: بضاعة إخوته وهم أوصاف البشرية، وبضاعتهم الأعمال الصالحة البدنية يشير إلى أن بضاعة كل عمل من أعمال البدنية التي تجري بهما أوصاف البشرية إلى حضرة يوسف القلب هي مردودة إليها؛ لأن القلب مستغن عنها، وإنما أوصاف البشرية محتاجة إليها، فإن النفس تتأدب وتتزكى بها وتتحسن بأخلاقها، وقال الله تعالى:
{ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } [الإسراء: 7].
وإن تربية القلب إنما هي بالأعمال القلبية الروحانية كالنيات الصالحة، ولهذا قال صلى الله عليه سلم
"نية المؤمن خير من عمله" وفي رواية: "أبلغ من عمله" وكما الغزائم الصادقة، والأخلاق الحميدة، والإقبال على الله، والإعراض عمَّا سواه، وصدق الطلب والتوجه للحق، وتخليص محبة الله عن شركة محبة المخلوقات، والتسليم والرضاء بالقضاء، وبذل الوجود المجازي في طلب الوجود الحقيقي، وهذا كله من قبيل التزكية والتصفية لسعي العبودية، ثم كمال تربية القلب من مواهب الربوبية بالتجلية وهي طلوع شمس مشاهدات أنوار الحق، وإظهار أنواع مكاشفاته من مشارق غيب الغيوب، وتجلي صفاته وذاته.
وفي قوله: {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنْقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [يوسف: 62] إشارة إلى أن أوصاف البشرية إذا انقلبوا ببضاعة طاعتها إلى النفس وصفاتها يعرونها أنها تصلح لها لا للقلب، فتزكى النفس بتزكي الطاعات وتتربى بها، فتتزكى عن صفة الأمارية فتصير مأمورة مطمئنة، فتستحق لجذبة خطاب الحق وأمر:
{ ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ } [الفجر: 28] فترجع النفس مع أوصاف بشريتها إلى حضرة الربوبية، فيكون طريقها على يسوف القلب وأهاليه، وكقوله: { فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي * وَٱدْخُلِي جَنَّتِي } [الفجر: 29-30].