التفاسير

< >
عرض

أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ
١٩
ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ
٢٠
وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ
٢١
وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ
٢٢
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ
٢٣
سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ
٢٤
-الرعد

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ} [الرعد: 19] يشير به إلى أنه العالم بحقيقة نزول الو حي من الله هو البصير بنور الله والجاهل بحقيقته هو الأعمى، وهما لا يستويان {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ} [الرعد: 19] حقيقة هذا المعنى {أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} [الرعد: 19] وهم المستخرجة عقولهم عن قشور آنات الحواس والوهم والخيال المؤيدة، فيجل أنوار الجمال والجلال.
ثم شرح أحوالهم فقال: {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} [الرعد: 20] أي: الذين عاهدهم الله على أن يحبهم ويحبونه، فأوفوا بعهده وما أحبوا غيره {وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ} [الرعد: 20] الذي جرى بينهم إذ أخرجهم عن ظهر آدم، وعاهدهم على التوحيد والعبودية كقوله:
{ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ } [يس: 60]، فالعهد عهدان: عهد المحبة وهو للخواص، وعهد العبودية وهو للعوام، فأهل عهد المحبة ما نقضوا عهودهم أبداً، وأهل عهد العبودية من كان عهدهم مؤكداً بعهد المحبة ما نقضوه أيضاً، ومن لم يكن عهدهم مؤكداً نقضوه.
ثم وصف الذين لم ينقضوه فقال: {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ} [الرعد: 21] الوصلة مع الله بصدق الطلب، والميل إليه، والانقطاع عما سواه، {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ} [الرعد: 22] على الانقطاع عما سواه {ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} [الرعد: 22] أي: طلب الوصول إليه {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} [الرعد: 22] أي: أداموها؛ لأن الصلاة معراج المؤمن، وبها يصل إليه {وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} [الرعد: 22] أي: انفصلوا عما سواه؛ ليصلوا به {سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} [الرعد: 22] أي: انقطعوا عما يشغل بواطنهم بالاشتغال إلى الله وما سواه وعما سواه؛ ليصلوا به لغير الله {وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ} [الرعد: 22] أي: يدفعون بالأعمال والأحوال الحسنة في صدق الطلب بالأعمال، والأحوال السيئة من الواقعات والقربات.
{أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} [الرعد: 22]، وهي دار الوصول إلى الكمال {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} [الرعد: 23] من له صلاحية الدخول فيها قريباً كان أو غريباً {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ} [الرعد: 23] تبركاً وتيمناً بهم تبعاً لهم {مِّن كُلِّ بَابٍ} [الرعد: 23] دخولهم بالاستقلال على أقدام السير إلى الله بالله، ويقولون: {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ} [الرعد: 24] على صدق الطلب، بما صبرتم عن غير الله فسلمكم الله مما سواه، وبلغكم بجذبات عنايته إلى مقامات الوصول، ودرجات الوصال {فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} [الرعد: 24] التي أنزلكم فيها بقربه وجواره.