التفاسير

< >
عرض

وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ
٣٤
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ
٣٥
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٣٦
رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
٣٧
رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ
٣٨
-إبراهيم

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

وفي قوله: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} [إبراهيم: 34] إشارة إلى أنه تعالى أعطى الإنسان في الأزل حسن استعداد استدعى منه لقبول الفييض الإلهي وهو قوله تعالى: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } [التين: 4] ثم للابتلاء رده إلى أسفل سافلين ثم آتاه من كل ما سأله من الأسباب التي تخرجه من { أَسْفَلَ سَافِلِينَ } [التين: 5] وتصعده إلى أعلى عليين فإذا أمعنت النظر في هذه الآيات رأيت أن العالم بما فيه خلق تبعاً لوجود الإنسان، وسبباً لكماليته كما أن الشجرة خلقت تبعاً لوجود الثمرة وسبباً لكماليتها فالإنسان البالغ الكامل الواصل ثمرة شجرة المكونات، فافهم جدّاً.
{وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} لأن نعمته على الإنسان قسمان: قسم يتعلق بالمخلوقات كلها وقد بينا أنها خلقت لاستكمال الإنسان وهذه النعمة لا يحصى عدها لأن فوائدها عائدة إلى الإنسان إلى الأبد وهي غير متناهية فلا يحصى عدها.
وقسم يتعلق بعواطف ألوهيته وعوارف ربوبيته فهي أيضاً غير متناهية فلا يحصى عدها.
وقسم يتعلق بعواطف ألوهيته وعوارف ربوبيته فهي أيضاً غير متناهية {إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ} لنفسه بأن يفسد هذا الاستعداد الكامل بالإعراف عن الحق والإقبال على الباطل {كَفَّارٌ} لنعم الله إذا لم يعرف قدرها ولم يشكر لها وجعلها نقمة لنفسه بعدما كانت نعمة من ربه.
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً} [إبراهيم: 35] إبراهيم هو الروح والبلد هو القلب اجعله آمناً من وساوس الشيطان وهواجس النفس وآفات الهوى {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ} وهم الفؤاد والسر والخفاء {أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} فكما أن صنم النفس الدنيا وصنم القلب العقبى وصنم الروح الدرجات العلى وصنم الفؤاد العرفان وصنم الخفاء الركون إلى المكاشفات والمشاهدات وأنواع الكرامات {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ} [إبراهيم: 36] أي: من الناسين الذين نسوك عن استجلاء القلب والكرامات فانقطعوا بهن عنك {فَمَن تَبِعَنِي} في محبتك وترك ما سواه لك {فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي} في مخالفتك {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تغفر لهم فإن لم يجدوا مقام الخلة ترحم عليهم بالمقام في الخلد، وأيضاً حفظ الأدب فيما قال: {وَمَنْ عَصَانِي} وما قال: ومن عصاك؛ لأن بعصيان الله لا يستحق المغفرة والرحمة والإشارة فيه أن من عصاني لعلي لا أغفر له ولا أرحم عليه فإن المكافأة في الطبيعة واجبة ولكن من عصاني فتغفر له وترحم عليه يكون غاية كرمك وعواطف إحسانك {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
{رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} [إبراهيم: 37] وهو وادي النفس {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ} أن يكون بيتاً لغير الله كما قال:
"لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" وأيضاً قوله: {أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} يشير إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإنه كان من ذريته وكان من صلب إسماعيل يتوسل بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى في رعاية هاجر وإسماعيل يعني: إن ضيعت إسماعيل ليهلك فقد ضيعت محمداً صلى الله عليه وسلم وأهلتكه.
{لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي: أسكنهم عند بيتك فريداً وحيداً بلا طعام ولا شراب ولا صديق، ولا أنيس؛ ليناجوك ويقيموا عبادتك ويتوكلوا عليك ويستأنسوا بك ولا يلتفتوا إلى غيرك وأيضاً أسكنت من ذريتي الروحانيات بوادي النفس في مجاورة القلب {لِيُقِيمُواْ} بالآت النفس وأدوات الجسم طاعات وعبادات من {ٱلصَّلاَةَ} والزكاة والصيام والحج والجهاد وغيره من شرائع الإسلام ما لم يكونوا مستعدين للقيام به في عالم الأرواح {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ} ليتوسلوا بهواهم إليك ويستحقوا بذلك منك أن تجعلهم منهم ومعهم؛ لأنه
"من أحب قوماً فهو معهم" ، وأسكنت من ذريتي من الرحمة {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ} أي: فاجعل وتيرة الصفات الناسوتية {تَهْوِىۤ} إلى الصفات الروحانية {وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ} أي: ثمرات الصفات اللاهوتية التي رزقها للصفات الروحانية {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} شكر النعمة الجسيمة التي بمعزل عنها الملائكة المقربون، وفي هذا سر عظيم لا يمكن إفشاء سر الربوبية لقوله: {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي} [إبراهيم: 38] من حقائق الدعاء والإشارة المودعة فيها {وَمَا نُعْلِنُ} من ظاهر الصفة {وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ} أرض الصورة من المعاملات والمقالات الظاهرة {وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} سماء القلوب من أحوال الغيوب والأسرار الباطنة.