التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
٩٠
وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ
٩١
وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
٩٢
وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
٩٣
-النحل

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن تفصيل البيان من جملة التبيان بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ} [النحل: 90] وهو صرف ما أعطاك الله من آلات الجسمانية والروحانية، ومن مال الدنيا وجاهها ومن شرائع الدين وأعماله في طلب الله والسير منك به إليه؛ لأن صرفه في طلب غيره ظلم، والإحسان أن تحسن إلى الخلق بما أعطاك الله وإياك سبيل الرشاد وترشدهم وتسلك بهم طريق الحق للوصول والوصال يدل عليه قوله: { وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ } [القصص: 77] وأيضاً العدل صدق التوجه إلى الله بكليتك لكليته، والإحسان أن تستعين بالله في توفيقك للعدل وقطع النظر في المعاملان من نفسك ورديئها منه {وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} [النحل: 90] إليك نفسك فصلة رحمها أن تنجيها من المهالك، وترجع بها إلى مالك الممالك.
{وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ} [النحل: 90] وهي ما يحجبك عن الله ويقطعك عنه {وَٱلْمُنْكَرِ} ما ينكر به عليك من إضلال الخلق وإغوائهم وإحداث البدع وإثارة الفتن {وَٱلْبَغْيِ} ما ثار من سورة صفات نفسك فيصيب الخلق منك ما يضرهم ويؤذيهم {يَعِظُكُمْ} بأمر هذه المستحسنات ونهي هذه المستقبحات {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90] وتتعظون فتأتمرون بالأمر، وتنهون بالنهي.
{وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} [النحل: 91] بائتمار أوامر الله وانتهاء نواهيه {إِذَا عَاهَدتُّمْ} [النحل: 91] مع الله يوم الميثاق {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ} مع الله يوم الميثاق {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} [النحل: 91] وهو إشهادكم على أنفسكم وقولكم:
{ بَلَىٰ شَهِدْنَآ } [الأعراف: 172] {وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً} [النحل: 91] أي: جعلتموه كفيلاً بجزاء أوقاتكم وهو تكفل منكم بالوفاء بما عاهد معكم على الجزاء كما قال: { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } [البقرة: 40].
وتفصيل الوفاء من الله والعبد، بما
"شرح النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ فقال: هل تدري يا معاذ ما حق الله على الناس قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً أي: يطلبوه بالعبادة ولا يطلبوا معه غيره ثم قال: أتدري يا معاذ ما حق الناس على الله إذ فعلوا ذلك؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الناس على الله ألا يعذبهم يعني: بعذاب الفراق والقطيعة، بل يشرفهم بالوجدان والوصال كما قال: ألا من طلبني وجدني" .
{إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [النحل: 91] من نقض العهد والوفاء به، وفي قوله: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً} [النحل: 92] إشارة إلى المريد الذي تعلق بذيل إرادة صاحب ولاية من المشايخ وعاهده على صدق الطلب والثبات عليه عند مقاساة شدائد المجاهدات، والصبر على مخالفات النفس والهوى، وملازمة الصحبة والانقياد للخدمة، ولتحمل عن الأحوال، وحفظ الأدب معهم ففي أثناء تحمل هذا المشاق تسأم نفسه وتضعف عن حمل الأثقال، فينقض عهده ويفسخ عزمه ويرجع قهقري، ثم يتخذ ما كان أسباب طلب الله من الإرادة والمجاهدة ولبس الخرقة وملازمة الصحبة والخدمة والفتوحات التي فتح الله له في أثناء الطلب، والسير آلات طلب الدنيا وآداب تحصيل شهوات نفسه بالتصنع والمرايات والسمعة ابتلاءً من الله إظهاراً للعزة أن عظمت الدنيا وشهواتها في نظر النفس، وأعرضت عن الله في طلبها، وهذا معنى قوله: {تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ} [النحل: 92] أي: الدنيا أعلى عندكم من الآخرة، {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [النحل: 92] من أمر الدنيا والآخرة وأمر الطلب.
{وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [النحل: 93] في طلب الله {وَلـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ} [النحل: 93] عن طريق الطلب في تيه الحرمان {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} [النحل: 93] إلى حضرة الجلال بالوصول والوصال، وإحالة الضلالة والهداية إلى المشيئة لإظهار القدرة ونفي العجز حتى لا يتوهم أحد أن أحداً يقدر على شيء بغير مشيئته لعجزه عن المنع ولكن الإرادة القديمة اقتضت بالحكمة القديمة أن يصل بعضهم بأفعال نفسه الخبيثة، ويهدي بعضهم بأفعال روحه الشريف؛ فلهذا قال: {وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 93] يعني: إنما الجزاء على الأعمال لا على الأحوال فينبغي ألاّ يكون العبد جبرياً لا ينظر إلى الأعمال ولا قدريّا لا ينظر إلى إرادة الله ومشيئته.