التفاسير

< >
عرض

إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ
١٦١
خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ
١٦٢
وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ
١٦٣
إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
١٦٤
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ
١٦٥
إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ
١٦٦
-البقرة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن المصرين أنهم بأنفسهم مصرون بقوله تعالى: {إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ} [البقرة: 161]، الآيتين والإشارة فيها أن الذين أنكروا على سير القوم وسنتهم، وجحدوا أنواع كراماتهم، وما هم عليه من استقامة الطريق في سلوك الطريق الشريعة، وما كوشفوا به حال الحقيقة خصوصاً من سلك مدة، ثم رجع إلى أحوال العادة فبمكر النفس والشيطان ينكر على الأحوال للإخوان، ثم أصروا على هذا الخذلان حتى ماتوا في تلك الوحشة وقبضوا في تلك الظلمة {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ} [البقرة: 161]، واللعنة في الحقيقة ضد الرحمة، فكما أن الرحمة إرادة إيصال زيادة الخير إلى أهل الخير فكذلك اللعنة إرادة إيصال زيادة الشر إلى أهل الشر، فمعناها أن الله تعالى طردهم عن الباب بإراداته القديمة فإنه فعال لما يريد، بلعنة الله وسخطه وقعوا في ورطة الإنكار ومهلكة الإصرار كقوله تعالى: { وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا } [السجدة: 13]، وقال تعالى: { وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ } [الأنعام: 35].
ولعنته {ٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [البقرة: 161]، عليهم بتبعية لعنة الله وموافقته كما وافقوه في الصلاة بقوله تعالى:
{ يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ } [الأحزاب: 43] فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبداً نادى جبريل، فيقول: إني أبغض فلاناً فابغضوه فيبغضونه، ثم يوضع له البغضاء في الأرض" ، حديث صحيح أخرجه البخاري، فأخبرنا المشايخ بطرق مختلفة جميع كتاب "الجامع الصحيح" البخاري منها أخبرنا أبو العز عبد الباقي بن عثمان بن محمد بن أبي نصر محمد من صالح الهمداني في ذي الحجة من إحدى وستمائة، أخبرنا الحافظ أبو جعفر بن الحسن بن محمد ابن الحسن الهمداني، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن موسى الصفار، أخبرنا أبو الهيثم محمد ابن مكي ابن محمد الكهني، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يويسف بن فطر العز منك، أخبرنا الإمام الحافظ أبو عبد الله بن محمد بن إسماعيل البخاري، أخبرنا عمرو بن علي، أخبرنا أبو عاصم، أخبرنا ابن جريج أخبرنا موسى ابن عقيب عن نافع أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أحب الله العبد..." في اللعنة مثل ذلك بعض {خَالِدِينَ فِيهَا} [البقرة: 162]، مقيمين أبداً في أهوائهم {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ} [البقرة: 162]، الغرفة لأنها مثمرة النكرة، فأبطلوا حسن الاستعداد وصفاء مرآة القلب برين الإنكار كقوله تعالى: { كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } [المطففين: 14]، {وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ} [البقرة: 162]، لتصقيل مرآة قلوبهم بصقل الذكر كما قال صلى الله عليه وسلم: "إن لكل شيء صقالة وإن صقالة القلب بذكر الله" ، لأن تحصيل نور القلب بالذكر في الدنيا لا في الآخرة، كقوله تعالى: { قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً } [الحديد: 13].
ثم أخبر عن أوصاف وحدانيته ومع أهل التوحيد والمعرفة ألطاف رحمانيته، بقوله تعالى: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} [البقرة: 163]، إلى {يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] والإشارة فيها أن شرف الإنسان وكمال عناية الله في حقه أن أضاف نفس الإلهية إليه قال: {وَإِلَـٰهُكُمْ}، فلما حصن البيت بإضافته إلى نفسه بقوله: بيتي جعله مسجد الخلائق لا مسجودهم، فلما خص الإنسان تارة بتشريف إضافة روحه إلى نفسه بقوله:
{ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي } [الحجر: 29]، وأخرى بإضافة نفسه إليهم بقوله: {وَإِلَـٰهُكُمْ}، جعله مسجود الملائكة، فشتان ما بين من يكون مسجد الخلق، ومن يكون مسجداً لملائكة، وحد نفسه بقوله: {وَاحِدٌ} حتى لا يخطر ببال الموحد احتمال إله ثاني؛ لأنه لو حتمل ثالثاً ورابعاً إلى غير النهاية، فيؤدي إلى التفرقة، فيكون ضد التوحيد ومانعة الجمعية والحضور مع الله الواحد الأحد، فحسم مادة التفرقة عن قلب الموحد بقوله: {إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ}.
ثم نفى الإلهية عن غير الواحد مطلقاً بقوله: {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [البقرة: 163] لأن إثبات الوحدانية ولا كان مقيداً بقوله: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} [البقرة: 163]، وكان محتملاً أن يكون لغيركم من المخلوقات إله آخر، فنفى الشريك بقوله: {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} ليخلص الموحد في عبوديته؛ لأن بتقدير وجود الشريك لا يعلم البعد أنه عبد لهذا، ولذلك أولها جمعاً فحينئذ لا يكون مخلصاً في عبوديته، مخلصاً في الافتقار إليه، مخلصاً في إن لا ملجأ له إلا رحمته ولا منج له إلا كرمه وجوده، ولهذا وصف نفسه عقيب {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} بصفتي: {ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} [البقرة: 163]، وهما اسمان يدلان على صفتي الجلال والجمال، كما مرَّ شرحهما في تفسير
{ بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ } [الفاتحة: 1]، فيكون معناهما حقيقة في قول {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} لا إله إلا هو الخالق الباري المحي المميت الضار النافع المعز المذل المعطي المانع المعبود المحمود، وإلا هو الرحمن الرحيم الذي له هذه الأسماء الحسنى والصفات العلى، روي عن عمر أن ابن حصين رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي حصين: "كم تعبد اليوم من إله؟ فقال: سبعاً؛ ستاً في الأرض وواحداً في السماء قال: وأيهم تعبده لرغبتك ورهبتك؟ فقال: الذي في السماء، فقال صلى الله عليه وسلم: فيكفيك إله السماء، ثم قال: يا حصين لو أسلمت علمتك كلمتان تنفعانك، فأسلم حصين، ثم قال: يا رسول الله علمني هاتين الكلمتين، فقال صلى الله عليه وسلم: قل اللهم ألهمني رشدي وأعذرني من شر نفسي" .
فمن نتائج صفة الرحمن الرحيم في حق الإنسان ما أشار إليه في قوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [البقرة: 164]، إلى: {يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] يعني: أن الحكمة في خلق هذه الأشياء ليكون كل شيء مظهر آية من آيات الله، والفائدة في هذه الأشياء من الآيات المودعة فيها إن فائدتها عائدة إلى الإنسان؛ لأنهم قوم يعقلون الآيات لقوله تعالى: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ } [فصلت: 53]، فالإشارة في تحقيق الآية أن العالم بما فيه خلق بتعبية الإنسان؛ لأن العالم مظهر آيات الحق، والآيات المرئيات للإنسان، والإنسان خلق لمعرفة الحق، ولهذا قال تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [الذاريات: 56] أي: ليعرفون فلو لم يكن لأجل المعرفة ما خلق الإنسان، ولو لم يكن لأجل الإنسان ما خلق العالم بما فيه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لولاك لما خلقت الأكوان" وكان العالم مرآة تظهر فيها جمال الحق وجلاله، والإنسان هو المشاهد لآيات الجمال والجلال في مرآة العالم، وهو مرآة يظهر فيه مرآة العالم، وما يظهر فيه كما قال تعالى: { وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } [الذاريات: 21]، وهذا تحقيق قوله "من عرف نفسه فقد عرف ربه" لأن نفسه مرآة جمال ربه، وليس لأحد غير الإنسان يشاهد جمال ربه في مرآة العالم ومرآة نفسه بإزاء الخلق، كما قال تعالى: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ } [فصلت: 53]، فافهم جدّاً، واعرف قدرك لتعرف قدر ربك يا مسكين.
ومما يدل على أن خلق السماوات الأرض وما بينهما تبع الخلق الإنسان وقوله صلى الله عليه وسلم:
"لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله" ، يعني: إذا مات الإنسان الذي هو يقول الله الله قامت القيامة، فلم تبق السماوات والأرض، لأن وجدوهما كان تبعاً لوجود الإنسان، فإذا لم يبق المتبوع ما بقي التابع.
ثم أخبر عن أقوام دهتهم الغرة وأدركتهم الغيرة بقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً} [البقرة: 165]، والإشارة فيها أن من لم يكن أهلاً لمحبته طردته العزة إلى محبة الأنداد أبداً، وهي كل ما يحب سوى الله، واعلم أن المحبة نوعان: محبة هي من صفات الإنسان وهي من هوى النفس الأمارة بالسوء، ومحبة هي من صفات الحق وهي من الإرادة القديمة والقائمة بذاته التي اقتضت خلق العالم بما فيه كما قال:
"كنت كنزاً مخفيّاً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" ، فمن وكل إلى محبة الإنسانية النفسانية تعلقت محبته بملائم هوى النفس من الأصناف، فكما أن الكفار بعضهم يحبون اللات ويعبدونها، وبعضهم يحبون العزى ويعبدونها، كذلك أهل الدنيا بعضهم يحبون الأموال ويعبدونها وبعضهم يحبون الأولاد ويعبدونها، فقال تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ}، ولهذا أعلم أن الخلق عن فتنة هذه الأشياء وعداوتها وحذرهم عنها بقوله: { أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ } [الأنفال: 28]، وبقوله: { إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ } [التغابن: 14]، يعني فاحذروا عن محبتهم؛ لأن محبتهم تمنعكم عن محبة الله تعالى، وهو الحبيب وأنهم العدو، ومن أحب الله يرى ما سوى الله بنظر العداوة، كما كان حال الخليل عليه السلام قال: { فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ } [الشعراء: 77]، ومن كان في الأزل أهل المحبة فما وكل إلى محبة الإنسانية جذبته العناية الأزلية، ونظمته في سلك العناية من خطاب: {يُحِبُّهُمْ} للكفاية الأبدية، فيتجلى لهم الحق بصفة المحبة فانعكست تلك المحبة بمرآة قلبه، فبتلك المحبة محبون يحبونه، فإنها لا تتعلق بغير الله؛ لأنها من عالم الوحدة، فلا تقبل الشركة كما قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ} [البقرة: 165] لأن الأعداء أحبوا أنداداً بمحبة فانية، والأحباء أحبوا الله تعالى بمحبته باقية ربانية بل أحبوه بجميع أجزائهم الفانية والباقية شعر:

الشوق أكثر أن يتخص جارحة أكلي إليك على الحالات مشتاق

{وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} يعني: وضعوا محبة الله في غير موضعها من الأشياء وهي الظلم وانقطعوا عن الله وعكفوا على عبادة الدنيا واتخذوا آلهتهم الهوى {إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ} أي: عذاب قطيعة الله تعالى وذاقوا ألم حرقة، ونار فرقة الله التي تطلع على الأفئدة لتحقق لهم {أَنَّ ٱلْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} أي: وقوة كل داء ومرض ووجع وعلة وشدة ومضرة وفتنة وبلية ومحنة وعقوبة وعذاب في الدنيا والآخرة من قوة عذاب القطيعة مستمد من منه وجميعاً مندرجة في ضمن فقدان الله تعالى ولا توجد شدة عذاب فقدان الله في الشدائد كلها كما قال تعالى: { وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ } [الحجر: 50] أي: عذاب فرقتي وقطيعتي.
ثم أخبر عن حاصل محبة أهل الأهواء بالتقاطع والرياء لقوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ} [البقرة: 166]، الآيتين والإشارة فيهما أن كل صحبة ووصلة ومحبة ومودة وموافقة ومتابعة تكون مشوبة بالهوى ومعلومة بالرياء والأغراض الفاسدة والأطماع الحيوانية والغضبية النفسانية، فلما انقطعت بالموت عنهم هذه الأسباب ورأوا فساد العذاب يكون حاصل أمرها للفرقة والعداوة والتبرؤ كقوله تعالى:
{ يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ } [الزخرف: 38]، وقوله تعالى: { ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ } [الزخرف: 67].
وقوله تعالى: {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ * وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا} [البقرة: 166-167]، فلما كانت أسباب مواصلاتهم فانية دنياوية بالموت وفناء الدنيا تقطعت عنهم، ولكن لما كانت أسباب وصلة المؤمنين ومحبتهم ومتابعتهم مبنية على الدين المتين والحق المبين فلا ينقطع بانقطاع العمر وزوال الدنيا، كقوله تعالى:
{ فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا } [البقرة: 256]، وقال تعالى: { إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ } [الحجر: 47] بل محبتهم إذا كانت للحق بالحق فتسلب الأرواح والأملاك والأزواج والأولاد بالحبس في القبور وبأهوال القيامة، ولوقوف للسؤال والعبور على الصراط والورود في النار، وإن بقوا فيها طول الأعمار فلا يزدادون إلا محبة كلما قلب.