التفاسير

< >
عرض

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ
١٧١
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَٱشْكُرُواْ للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
١٧٢
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٧٣
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
١٧٤
أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ
١٧٥
ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِي ٱلْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ
١٧٦
لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ
١٧٧
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ
١٧٨
-البقرة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن إرادتهم عملاً وضرب لهم مثلاً بقوله تعالى: {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ} [البقرة: 171]، والإشارة فيها أن {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وكان في عالم الأرواح عند الميثاق إذ خاطبهم الحق بقوله { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ } [الأعراف: 172]، كمثل الذي ينعق بما لا يسمع {إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً}، لأنهم كانوا في الصف الأخير؛ إذ الأرواح كانت جنود مجندة في أربعة صفوف، وكان في الصف الأول أرواح الأنبياء - عليهم السلام - وفي الثاني أرواح الأولياء، وفي الثالث أرواح المؤمنين، وفي الرابع أرواح الكافرين، فأخرجت الذرات التي استخرجت من ظهر آدم من ذرياته، وأقيمت كل ذرة بإزاء روحها، فخاطبهم الحق { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ } [الأعراف: 172]، قالوا: {بَلَىٰ}، فالأنبياء - عليهم السلام - سمعوا كلام الحق كفاحاً بلا واسطة، وشاهدوا أنوار جماله بلا حجاب، ولهذا استحقوا هاهنا النبوة والرسالة والمكالمة والوحي، الله أعلم حيث يجعل رسالته.
والأولياء سمعوا كلام الحق وشاهدوا أنواع جماله من أنوار حجاب أرواح الأنبياء ولهذا هاهنا احتاجوا إلى متابعة الأنبياء، فصاروا عند القيام بأداء حق متابعتهم مستحقي الكلام والإلهام من وراء الحجاب، والمؤمنون سمعوا خطاب الحق وراء حجاب أرواح الأنبياء وحجاب أرواح الأولياء، ولهذا هاهنا آمنوا بالغيب وقبلوا دعوة الأنبياء، وإن بلغتهم من وارء رسالة جبريل عليه السلام وحجاب رسالة الأنبياء فقالوا: سمعنا وأطعنا، ومما يدل على هذه التقريرات قوله تعالى:
{ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً } [الشروى: 51]، يعني الأنبياء أو من وراء حجاب يعني الأولياء أو يرسل رسولاً يعني المؤمنين: والكفار لما سمعوا من الخطاب نداء من وراء الحجب الثلاث، كانوا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، فما شاهدوا من أنوار جمال الحق لا قليلاً ولا كثيراً { إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } [المطففين: 15] قرأت، وما فهموا شيئاً من كلام الحق إلا أنهم سمعوا من ذرات المؤمنين ومن وراء الحجاب لما قالوا {بَلَىٰ} لتقليد بلى، ولهذا هاهنا قلدوا ما ألفوا عليه آباءهم كقوله تعالى: { إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ } [الزخرف: 22]، فلما تعلقت أرواحهم بالأجساد فكدرت بكدورات الحواس والقوى النفسانية وأظلمت بظلمات الصفات الحيوانية { رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } [المطففين: 14]، من التمتعات البهيمية والحركات السبعية والأخلاق الشيطانية واللذات الجسمانية، فأصمهم الله وأعمى أبصارهم فهم الآن {صُمٌّ} [البقرة: 171]، عن استماع دعوة الأنبياء ليسمع القلوب {بُكْمٌ} [البقرة: 171]، عن قول الحق والإقرار بالتوحيد {عُمْيٌ} [البقرة: 171]، عن رؤية الآيات والمعجزات {فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171] لأنهم أبطلوا بالرين صفاء عقولهم الروحانية، وحرموا عن فيض الأنوار الربانية وأيضاً {لاَ يَعْقِلُونَ} لأنهم {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}.
ثم أخبر أن أكل الطيبات يورث الشكر والعبادات بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172]، والإشارة فيها أن من فضل الله وكرمه مع المؤمنين أمرهم بأكل الطيبات كما أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لفائدتين أحدهما: أن يكون أكلهم بالأمر لا بالطبع فيمتازون عن الحيوانات ويخرجون عن حجاب ظلمة الطبع بنور الشرع، والثانية: ليثبتهم بإتمار أمر الأكل كما ثبتهم بإتمار أمر الصلاة والزكاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إن المؤمن يؤجر في كل شيء حتى اللقمة يضعها في فيه أو فِيَّ امرأته" قوله تعالى: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172]، فالحلال ما لا يتبعه عليه ما لا ترى المخلوق فيه منه، ولهذا قال: {مَا رَزَقْنَاكُمْ} يعني: أنا الرزاق لا غيري {وَٱشْكُرُواْ للَّهِ} [البقرة: 172]، نتيجة أكل الطيبات بالأمر مع العلم بأن الله رزاق واشكروا الله على ما رزقه وفي قوله تعالى: {إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172]، إشارتان أحدهما: أن من شرط العبودية شكر المعبود في السراء والضراء والشدة والرخاء، والثاني: أن الشكر نوع من عبادة المعبود وإن أكثرهم شكراً أكثرهم عبادة.
ثم أخبر عما حرم في الظاهر من المأكولات وفي الباطن من المألوفات بقوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ} [البقرة: 173]، والإشارة فيها إن كان حرم على الظواهر هذه المعدودات حرم على البواطن شهود غير الله من الموجودات، فالميتة هي جيفة الدنيا، كما قال قائلهم:

عَلَيها كِلابٌ هُمُّهُنَّ اِجتِذابُها وَما هِيَ إِلاّ جِيَفَةٌ مُستَحيلَةٌ
فَإِن تَجتَنِبها كُنتَ سِلماً لأَهلِها وَإِن تَجتَذِبها نازَعَتكَ كِلابُها

والدم هي الشهوات النفسانية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم" ، ولولا أن الشهوات في الدم مستكنة لما كان للشيطان إليه سبيلاً؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "سدوا مجاري الشيطان بالجوع" لأن الجوع يقطع مادة الشهوات ولحم الخنزير إشارة إلى هوى النفس، وتشبيه النفس بالخنزير لفائدة حرصها وشرها وخيانة ظاهرة وباطنة {وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ} [البقرة: 173]، هو كل ما يتقرب به إلى غير الله من الطاعات البدنية والخيرات المالية من غير إخلاص في الله، بل للرياء والسمعة في سبيل الهوى {فَمَنِ ٱضْطُرَّ} [البقرة: 173]، أما الضرورة حاجة النفسانية إلى شيء منها، وأما الضرورة أمر الشرع بإقامة أحكام الواجبات عليه فليشرع في شيء مما اضطر إليه {غَيْرَ بَاغٍ} [البقرة: 173] أي: غير حريص للدنيا وجمعها في الحرام والحلال، وغير مولع على الشهوات بالحرم والحلال، وغير مقبل إلى استيفاء حظوظ النفس الحرام والحلال، وغير مواظب على الرياء في الطاعات والخيرات من السنن والبدع {وَلاَ عَادٍ} [البقرة: 173] أي: متجاوزين من الدنيا حد القناعة وهي ما سد الجوعة وستر العورة، ومن الشهوة ما لا يحجبه عن الحق وإباحة الشرع، فإن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: "يا داود حذر وأنذر قومك من أكل الشهوات، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها محجوبة عني" من حظوظ النفس ما يقيها عن الهلاك صورة ومعنى، ومن أحكام الشرع ما لا يزيد على الواجبات لإرادة الزهد والورع والعبادة والمجاهدة بالرياء للشهرة، بل لا يترك الواجبات وإن كانت مشوبة بهذه الآفات إقامة للعبودية، وإزالة لهذه الآفات وطلباً للإخلاص، فلو يزيد على الواجبات بهذه النيات في النوافل فحسن، وإلا فلا يزيد على الواجبات للرياء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اليسير من الرياء شرك" {فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173]، على من قام بهذه الشرائط، فمن لم يكن من المستهلكين في طريق الحق وصولاً، فلا يسلكن غير سبيل الشرع سبيلاً، فإما يكون محواً في الله، أو يكون قائماً بالله، أو يكون عاملاً لله، ولا يكون للرابع مجال حظ له {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 173]، يغفر للعالمين له بآثار الرحمة، والقائمين بأنواع الرحمة والماحين فيه بأوصاف الرحمة.
ثم أخبر عن حال من باع الدين بالدنيا في الآخرة والأولى بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ} [البقرة: 174]، والإشارة فيها أن العلماء المداهنين الذين يكتمون ما أنزل الله من مواعظ القرآن والوعيد لأهل الظلم والعشق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحفظ حدود الله ورفع العادات وترك الشهوات وزينة الحياة الدنيا وفتنتها ومحبتها، وإنما يكتمون على الملوك والأمراء والوزراء المفترين وأرباب الدنيا إما خوفاً عن ضياع مرتبتهم ونقصان قدمهم عندهم، وإما طمعاً في برهم معهم، أو لأنهم شركائهم في بعض أحوالهم من حب الدنيا وجمعها والحرص وطلبها، أو طلب مناصبها وحب رياستها، أو بالتنعم في المأكول والمشروب والملبوس والمركوب والمسكن والأواني وآلات البيت والأمتعة والزينة، في كل شيء والخدمة والحول وغير ذلك {وَيَشْتَرُونَ بِهِ} [البقرة: 174]، بالكتمان {ثَمَناً قَلِيلاً} [البقرة: 174]، إما من متاع الدنيا وهي متاع قليل، وإما تمتعات الحياة الدنيوية الفانية {أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ} [البقرة: 174]، والحرص والشهوة والحسد التي تطلع على الأفئدة وتأكل الحسنات القلبية والأخلاق الروحانية، وتحرقها وتمحوها، كما قال صلى الله عليه وسلم:
"الحسد يأكل الحسنات كما يأكل النار الحطب" فعبر عما يفسد الطاعات ويحبط الصالحات بالنار المناسبة في العمل، وهي في الحقيقة نار معنوية كنار الغضب كشعلة نار في الجسد.
واعلم أن كل عمل وفعل وقول يصدر من العبد على خلاف الشرع شرار يجتني من نار السعير، فيحصل في القلب العبد تلك النار في الحال وفي كل عمل وفعل يصدر من العبد على وفق الشرع نور يجتبي من نار المحبة، فيظهر في القلب فماذا استولت المحبة واشتعلت نارها تحرق كل محبوب غير الله في القلب، كما أن الحلو حرارة محرقة، فإذا أكل الرجل ذلك الحلو يحصل تلك الحرارة في المزاج في الحال ويحرق الرطوبات والأخلاط، فكذلك تحرق تلك النار في القلب الحسنات والأخلاق في الدنيا والآخرة تجلب المرء وتضله السعير، كقوله:
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً } [النساء: 10]، فافهم جدّاً.
ولقوله صلى الله عليه وسلم:
"الذي يشرب في آنية الذهب والفضة يجرجر في بطنه نار جنهم" يا قليل الفهم قصير النظر آمن بهذه الأشياء، وإن لم تفهمها كقوله تعالى: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } [الإسراء: 44]، فالإيمان به واجب، وإن لم تفهمه {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [البقرة: 174] لأنهم كتموا كلامه في الدنيا ولا كلموه بالصدق وكلموا غير الحق، فقال تعالى: { وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } [الشورى: 40]، {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ} [البقرة: 174] لأن تزكية النفس للإنسان مقدرة من الإيمان، والأعمال الصالحة تصدق النية من تهذيب الأخلاق بآداب الشرع، فإن من لم يزكها في الدنيا، فقد خاب وخسر وحرم في الآخرة من تزكيتها بقوله تعالى: { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا } [الشمس: 9-10]، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 174]، من كتمان الحق وحرمان مكالمة الله وتزكية لهم، ومن النار التي أكلوها في بطونهم وأشعلوها في بطونهم، ومن تصليتهم السعير.
ثم أخبر عن خسران تجارتهم بقوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} [البقرة: 175]، إلى قوله تعالى: {شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [البقرة: 176] اشار فيها أنه أولئك المداهنون من العلماء هم الذين اشتروا الضلالة بحب الدنيا يهدى إظهار الحق وأثروا الخلق على الحق، والمداهنة على أفضل الجهاد، كقوله صلى الله عليه وسلم:
"إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" {وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ} [البقرة: 175] أي: عذاب نار القطيعة والفرقة بمغفرة القربة والوصلة {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ} [البقرة: 175]، الهجران في دركات الخذلان والخسران {ذَلِكَ} [البقرة: 176]، المداهنة منهم {بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ} أي: داهنوا {فِي ٱلْكِتَابِ} [البقرة: 176] أي: في أحكام الكتاب {لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [البقرة: 176] أي: لفي خلاف باطل بعيد عن الحق، فإن بين الحق والباطل بوناً بعيداً، وفيه معنى آخر وإن الذين اختلفوا ودهنوا اليوم هاهنا اختلافهم مقدر في الكتاب الأزلي والقضاء السرمدي، وإنهم لفي شقاق أي: ضلال بعيد من العهد الأول لا قريب من الآن، كما قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطاه فقد ظل" ، فهذا ضلال بعيد من خطاء الرشاش لا ضلالة قريبة من خطاء الأوباش.
ثم أخبر عن البر في عبودية الحق البر بقوله تعالى: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ}، والإشارة فيها أن ليس الاعتبار في البر بظاهر الأشياء والمعاملات الفارغة عن الحقيق، ولكن الاعتبار بالبر الحقيقي {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ} أي: من آمن بهداية الله التي عينها من العناية؛ لقوله تعالى: {يُحِبُّهُمْ} فمن كانت هذه الكتابة عائدة عليه لتجلي الحق تعالى لروحه بصفة المحبة في بدء وجوده، فتتنور الروح بنور المحبة فالروح صارت محباً لمحبة، كما عبر عن هذا بقوله: {وَيُحِبُّونَهُ} فشاهد بذلك النور محبوبة وآمن بنور المحبة بوحدانية ومشاهد الأمور الأخروية وآمن بها، وكذلك {وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ} وفيه معنى آخر ليس البر بركم بتولية وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر الحقيقي هو بر الذي يبركم معكم بتوليه وجوه أرواحكم بجذبات المحبة قبل الحضرة الربوبية المحبوبية، فتؤمنوا بدلالات نور بري ومبرتي لكم كما ذكرنا في الحديث:
"إن الله تعالى إذا أحب عبداً نادى جبريل عليه السلام: إني أحببت فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل عليه السلام ثم ينادي جبريل عليه السلام في أهل السما: إن الله أحب فلاناً فأحبوه، فيحبوه أهل السماء" ، وبر حبي لكم ليس بمحدث كحبكم معي، بل هو بر قديم في الكتاب العلم الأزلي والكلام السرمدي: { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [المائدة: 54] أي: يحبهم في الأزل ويحبونه في الأبد، يحبهم بأن بر معهم ببر محبته لهم ليبروا معه بحبهم إياه ببر محبة التي بر بها معهم، ويحبونه ولولا محبته لهم ما كانوا ليؤمنوا به ويحبوه أبداً، فافهم جدّاً.
قوله تعالى: {وَٱلنَّبِيِّينَ} [البقرة: 177] أي: بنور هذه المحبة يهتدي المحبون إلى أهل محبة محبوبهم، فإن الجنسية علة الغنم فيؤمنون بهم، ويتابعونهم حق المتابعة، فأظهر فوائد خصوصية هذا الإيمان، وأخبر عن ثمرات بذر بر حبه فيهم بقوله تعالى: {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} [البقرة: 177] يعني: من ثمرات حبه إيتاء المال على حبه، والمال إشارة إلى ما يمال إليه غير الله، فمن نتائج بذر بر الحب إنفاق كل محبوب غير الله على حب الله؛ ليكون ثمرة بذر حب الله في النهاية بر الوصول إلى حضرة المحبوب لقوله تعالى:
{ لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } [آل عمران: 92] لأن ثمرة كل بذر في النهاية يكون من جنس بذرها في البداية، ولكن فيه معنى وخصوصية أخرى، ولهذا سُئل الجنيدرحمه الله : ما النهاية؟ قال: الرجوع إلى البداية في قوله تعالى: {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} [البقرة: 177] معنى آخر، وهو إنما حصل للعبد من بر الحب ومال إلى البر من عواطف الحق وإحسانه، بتجلي أنوار صفاته يعطيه وينقصه على حب حبيبه بأداء حقوق الشريعة والطريقة بالمعاملات الطيبة والقالبية {ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ} [البقرة: 177]، وهم الروح والقلب والسر والقربة الحق {وَٱلْيَتَامَىٰ} [البقرة: 177]، المتولدات من النفس الحيوانية الأمارة بالسوء إذا ماتت النفس عن صفاتها بسطوات تجلي صفات الحق، فثبت وبقيت منها يتامى المتولدات على الدوام من أوصاف البشرية {وَٱلْمَسَاكِينَ} [البقرة: 177]، وهي الأعضاء والجوارح {وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} [البقرة: 177]، القوى البشرية والحواس الخمس، فإنهم في التردد والشعر في عوالم المعقولات والمخيلات والموهومات والمحسوسات، وإنما {وَٱلسَّآئِلِينَ} [البقرة: 177]، وهم الدواعي الحيوانية، والروحانية {وَفِي ٱلرِّقَابِ} [البقرة: 177] أي: فك رقبة السر عن أسر تعلقات الكونين، وعتق رقبته عن عبودية ما في الدارين، فإن المكاتب عبد ما بقي درهم، فإذا تخلص السر عن أسر غير الله وعبوديته بدوام الرقبة، ولزوم المعاملة صار أهل المشاهد {وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ} [البقرة: 177]، والمحاضرة مع الله بالله {وَآتَى ٱلزَّكَاةَ} [البقرة: 177]، زكاة مواهب الحق إلى استحقاقها من الحق، فهم {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ} [البقرة: 177]، مع الله بالتوحيد والعبودية الخالصة يوم الميثاق {وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ} [البقرة: 177]، وإنهم من الصابرين في بأساء مراعاة الحقوق {وٱلضَّرَّآءِ} [البقرة: 177]، مخالفات الحظوظ وفناء الوجود عند بقاء الشهود {وَحِينَ ٱلْبَأْسِ} [البقرة: 177]، حين بأس سطوات الجلال لا لصبرهم بل لقيام الحق عنهم وبقائهم بصفات الجلال {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} [البقرة: 177]، ببذل الوجود وما عاهدوا الله عليه يوم الشهود كقوله تعالى: { مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ } [الأحزاب: 23] {وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177]، من ترك الأنانية بالاستهلاك في الهوية، وإن ما يقتضي الآن من فنون الإحسان ووجود فضائل الإيمان، وتصفية الأعمال وصلة الرحم والتمسك بفنون الذمم والعفو والوفاء بالعهود ومراعاة الحد وتعظيم الأثر كثير الخطر محبوب الحق شرعاً ومطلوبه أمراً، ولكن قيام الحق عنك عند قيامك عنه، وامتحانك من مشاهدتك لاستهلاكك في وجود القدم، وتعطيل رسولك عن ساكنات إحساسك أتم وأعلى في المعنى.
ثم أخبر عن اختصاص القصاص للعوام والخواص بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} [البقرة: 178]، والإشارة فيها أن الله تعالى كتب عليكم القصاص في قتلاكم، وكتب على نفسه الرحمة في قتلاه، وقال:
"من أحبني قتلته ومن قتلته فأنا ديته" ، وفي قوله تعالى: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ} [البقرة: 178]، إشارة إلى أن في قتلكم قصاص المثل بالمثل، وفي قتلاي لمن له المثل من الأمثل له، فلهذا لا يشبه قصاصي قصاصكم، فإن في قصاصكم موت الرجلين وفناء الشخصين، وفي قصاصي حياة الدارين وبقاء رب الثقلين {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178]، يشير على أن من عفا له من الأخيار والأصفياء شيء من أنواع البلاء في الابتلاء الذي هو موكل بالأنبياء والأولياء، فإنه معروف من معارف إحسانه وعطف من عواطف امتنانه والواجب على العبد أداء شكره إلى الله بإحسان، { هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ } [الرحمن: 60] ومن عومل معه يدل البلاء بالنعماء وعوض الشدة بالرخاء {ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ} [البقرة: 178]، الوفاء بملابسة الجفاء وإلقاء جلباب الحياء {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178]، فإن الكفران عواقبه وخيمة.