التفاسير

< >
عرض

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ
١٨
أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكَٰفِرِينَ
١٩
يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَٰرِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
٢٠
يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
٢١
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٢٢
-البقرة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

فحاصل أحوالهم بعد انقطاع حبالهم قوله تعالى: {صُمٌّ} [البقرة: 18]، يعني بأذن قلوبهم التي سمعوا بها خطاب الله تعالى يوم الميثاق، {بُكْمٌ} [البقرة: 18]، بتلك الألسنة التي أجابوا ربهم بقولهم بلى، {عُمْيٌ} [البقرة: 18]، بالأبصار التي شاهدوا جمال ربوبيته فعرفوه {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} [البقرة: 18]، إلى منازل حضائر القدس؛ بل إلى ما كانوا فيه من رياض الأنس، وذلك لأنهم سدوا روزنة قلوبهم التي كانت مفتوحة إلى عالم الغيب يوم الميثاق بتتبع الشهوات واستيفاء اللذات والخدعة والنفاق، فما هبت عليهم من جانب القدس الرياح وما تنسموا نفحات الأرواح، فمرضت قلوبهم ثم أرسل إليهم الطبيب الذي أنزل الداء وأنزل معه الدواء، كما قال تعالى: { وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ } [الإسراء: 82]، الذين يصدقون الأطباء ويقبلون الدواء، فلم يصدقوهم ولم يقبلوا ظلماً على أنفسهم فصار الدواء داء والشفاء وباء، كما قال تعالى: { وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً } [الإسراء: 82]، فلما لم يكونوا أهل الرحمة وأدركتهم اللعنة الموجبة للصمم والعمى بقوله تعالى: { أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ } [محمد: 23].
ثم ضرب لهم مثلاً آخر بقوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} [البقرة: 19]، الآيتين والإشارة في تحقيق الآيتين أن الله تعالى نسبه في حال متمني هذا الحديث واشتغالهم بالذكر وتتبع القرآن في البداية وتجددهم في الطلب ما يفتح لهم من الغيب إلى أن تظهر النفس الملائكية وتقع في آفة الفترة والوقفة بمن يكون في المفازة سائراً في ظلمة الليل والمطر، وشبه الذكر، والقرآن بالمطر؛ لأنه ينبت الإيمان والحكمة في القلب كما ينبت الماء البقلة، {فِيهِ ظُلُمَٰتٌ} [البقرة: 19]، أي: مشكلات ومتشابهات وشبهات تظهر للسالك الذاكر في أنحاء السلوك ومعان دقيقة لا يمكن حلها وفهمها والخروج عن عهدة آفاتها إلا لمن كان له عقل منور بنور الإيمان مؤيد بتأييد الرحمن كما قال تعالى:
{ ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ } [الرحمن: 1-2].
فكما أن السير لا يمكن في الظلمات إلا بنور السراج كذلك لا يمكن السير في حقائق القرآن ودقائقه ولا في ظلمات البشرية إلا بنور الهداية الربوبية، ولهذا قال تعالى: {أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ} [البقرة: 20]، يعني: نور الهداية {وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ} [البقرة: 20] يعني: ظلمة البشرية. قوله تعالى: {وَرَعْدٌ} [البقرة: 19]، خوف وخشية ورهبة تتطرق إلى القلوب من هيبة جلال الذكر والقرآن كما قال تعالى:
{ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } [الحشر: 21].
{وَبَرْقٌ} [البقرة: 19]، وهو تلألؤ أنوار الذكر والقرآن تهتدي إلى القلوب فتلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله فتظهر، فسببها حقيقة القرآن والدين فتعرفها القلوب بقوله تعالى:
{ وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ } [المائدة: 83]، ولما لاحت لهم أنوار السعادة خرجوا من ظلمات الطبيعة وتمسكوا بحبل الإرادة لينالوا درجات الفائزين ولكن {يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ} [البقرة: 19]، الفاسدة وأمانيهم الباطلة، {فِيۤ آذَانِهِم} [البقرة: 19]، الواعية {مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ} [البقرة: 19]، دواعي الحق {حَذَرَ} [البقرة: 19]، من {ٱلْمَوْتِ} [البقرة: 19]، موت النفس لأن النفس سمكة حياته بحر الدنيا وماء الهوى لو أخرجت لماتت في الحال، وهذا تحقيق قوله صلى الله عليه وسلم: "موتوا قبل أن تموتوا" .
{وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكَٰفِرِينَ} [البقرة: 19]، فيه إشارة إلى أن الكافر الذي له حياة طبيعة حيوانية لو مات بالإرادة عن مألوفات الطبيعة لكان أحياه الله بأنوار الشريعة كما قال تعالى { أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ } [الأنعام: 122].
فلما لم يمت بالإرادة {وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكَٰفِرِينَ} [البقرة: 19]، أي: مهلكهم ومميتهم في الدنيا بموت الصورة وموت القلب، وفي الآخرة بموت العذاب فلا يموت فيها ولا يحيى، {يَكَادُ ٱلْبَرْقُ} [البقرة: 20]، أي: نور الذكر والقرآن {يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ} [البقرة: 20]، أي أبصار نفوسهم الأمارة بالسوء {كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ} [البقرة: 20]، سلكوا طريق الحق بقدم الصدق {وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 20]، ظلمات صفات النفس وغلب عليهم الهوى مالوا إلى الدنيا { قَامُواْ} [البقرة: 20] أي: وقفوا عن السير وتحيروا وترددوا وتطرقت إليهم الآفات واعترتهم الغرات واستولى عليهم الشيطان وسولت لهم أنفسهم الشهوات حتى وقعوا في ورطة الهلاك.
{وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ} [البقرة: 20]، أي ولو كانت مشيئته وإرادته أن يهديهم {لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَٰرِهِمْ} [البقرة: 20]، أي: بسمع نفوسهم الذي تنظر إلى زينة الحياة الدنيا وزخارفها كقوله تعالى:
{ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا } [السجدة: 13]، {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 20]، أي: قادر على سلب أسماعهم وأبصارهم حتى لا يسمعوا الوساوس الشيطانية والهواجس النفسانية ولا يصبروا المزخرفات الدنياوية، والمستلذات الحيوانية لكيلا يغتروا بها ويبيعوا الدين بالدنيا، ولكن الله يفعل بحكمته ما يشاء ويحكم بعزته ما يريد، فلما أتم الكلام مع المؤمنين والكافرين والمنافقين خاطب الناس عموماً أجمعين بقوله تعالى: {يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} [البقرة: 21]، إلى {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] والإشارة في تحقيق الآيتين أن الله تعالى خاطب الناسي عهوده يوم الميثاق والإقرار بربوبيته ومعاهدته ألا يعبدوا إلا إياه، فخالفوه ونقضوا عهده وعبدوا الطواغيت من الأصنام والدنيا والنفس والهوى والشيطان فزلت قدمهم عن جادة التوحيد ووقعوا في ورطة الشرك والهلاك فبعث إليهم الرسول وكتب إليهم الكتاب وأخبرهم عن النسيان والشرك ودعاهم إلى التوحيد والعبودية.
{ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة: 21]، يعني: ذراتكم وذرات من قبلكم يوم الميثاق وأخذ مواثيقكم بالربوبية والتوحيد والعبادة فأوفوا بعهد العبودية بتوحيد اللسان وتجريد القلب وتفريد السر وتزكية النفس بترك المحظورات وإقامة الطاعات المأمورات، {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21]، عن ترك عبادة غير الله فيوفي الله بعد الربوبية بالنجاة من الدركات ورفع الدرجات بالجنات والإكرام بالقربات والكرامات في الآخرة، كما أكرمكم في الدنيا.
{ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً} [البقرة: 22]، فيه إشارة إلى تعريفه نفسه بالقدرة الكاملة ومنته على عباده وعزة عباده عنده وفضيلتهم على جميع المخلوقات من عباده بأن جعل لهم بنفسه فراشاً كالأرض ودنيا كالسماء، وأما عزة عباده عنده بأن خلق السماوات والأرض وما فيها لأجلهم وسخرها لهم لقوله تعالى:
{ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ } [الجاثية: 13]، فكان وجود السماوات تبعاً لوجودهم وما كان وجودهم تبعاً لوجود شيء إلا وجوده، ولهذا السر أمر الله تعالى ملائكته بالسجود لآدم عليه السلام وحرم على آدم وأولاده السجود لغير الله، ليظهر أن الملائكة وإن كانوا قبل وجود آدم أفضل الموجودات فلما خلق آدم عليه السلام جعله مسجوداً للملائكة ليكون هو أفضل المخلوقات وأكرمهم على الله تعالى ومتبوع كل شيء والكل تابع له.
قال تعالى: {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ} [البقرة: 22]، تحقيقه أن الماء هو القرآن، وثمراته: الهدى والتقى والنور والرحمة والشفاء والبركة واليمن والسعادة والقربة والحق واليقين والنجاة، والرفعة والصلاح الفلاح والحكمة والموعظة والحلم والعلم والآداب والأخلاق والعزة، والغنى والتمسك بالعروة الوثقى والاعتصام بحبل الله المتين، وإجماع كل خير وختام سعادة زهوق باطل الوجود الإنساني عند مجيء تجلي حقيقة الصفات الربانية لقوله تعالى:
{ قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً } [الإسراء: 81]، فأخرج بماء القرآن هذه الثمرات من أرض قلوب عباده فكما أن الله منَّ على عباده بإخراج الثمرات وقال: {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ} [البقرة: 22] وكان للحيوان فيها رزق؛ ولكن يتبعه الإنسان كما قال تعالى: { مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ } [النازعات: 33].
كذلك القرآن بثمراته كان رزقاً مختصاً بالإنسان وللملائكة والجن كان لهم فيه رزق ولكن بتبعية للإنسان وهذا مما لا تدركه العقول المشوبة بالوهم والخيال؛ بل تدركه العقول المؤيدة بتأييد الفضل والنوال.
قوله تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} [البقرة: 22]، فيه ثلاثة معانٍ:
أولها: أن هذا الذي جعلت لكم من خلق أنفسكم وخلق السماوات والأرض ما فيها ليس شأن أحد غيري، {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22]، فلا تجعلوا لي أنداداً في العبودية.
وثانيها: إني جعلت السماوات والأرض والشمس والقمر كلها واسطة أرزاقكم وأسبابها وأنا الرازق فلا تجعلوا الوسائط أنداداً لي،
{ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ } [فصلت: 37].
وثالثها: إني خلقت الموجودات وجعلت لكل شيء حظاً في شيء آخر وجعلت حظ الإنسان في محبتي ومعرفتي، وكل محظوظ لو انقطع عنه حظه لهلك فلا تنقطعوا عن حظوظكم من محبتي ومعرفتي بأن تجعلوا لي أنداداً وتحبونهم كحب الله.
{ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ } [البقرة: 165]، فألانداد وهي الأحباب غير الله تعالى: فوصف الذين لم ينقطعوا عن حظ محبته بالإيمان وقال: { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ } [البقرة: 165]، يعني الذين اتخذوا من دون الله أنداداً في المحبة ما آمنوا حقيقة وإن زعموا الإيمان فافهم جدّاً ولا تغتر بالإيمان التقليدي الموروثي حتى تقبح على هذا المحل.
ثم ذكر اختصاص نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم بالعبودية الخالصة مطلقاً لقوله تعالى:
{ وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا } [البقرة: 23]، الآيتين، والإشارة في تحقيق الآيتين أن الله تعالى جعل إعراض المعرضين واعتراض المعترضين فباب غيرته وسرادقات غزته لحبيبه المرسل، وكتابه المنزل لئلا يشاهد المعرضون عن الله حبيبه، ولا يطالع المعترضون على الله كتابه، فلم يزدهم بيان النبي صلى الله عليه وسلم وإعجاز القرآن إلا ريباً على ريب وخساراً على خسار، كما قال تعالى: { وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ } [يونس: 101].