التفاسير

< >
عرض

وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ فَإِنِ ٱنْتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ
١٩٣
ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ
١٩٤
وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ
١٩٥
وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
١٩٦
-البقرة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

وإنما تعديب النفوس؛ لرفع فتنتها بقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193] وفتنتها معارضتها ومنازعتها مع القلب بدواعيها وشهواتها، وشربها عن شاربها، فعلاجها بمباشرة أضدادها حتى يصح مزاجها في العبودية ولا تبقى معها آثار البشرية، {وَيَكُونَ} [البقرة: 193]، استسلامها، {ٱلدِّينُ للَّهِ} [البقرة: 193]، فلا تعارض لحكم من الأحكام، ولا تنازع في شيء مما يرويه الإسلام، {فَإِنِ ٱنْتَهَواْ} [البقرة: 193]، فإن استسلمت النفوس {فَلاَ عُدْوَانَ} [البقرة: 193]؛ أي: الجور والتعذيب، {إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} [البقرة: 193]، الذين يعبدون الهوى والدنيا من دون المولى.
ثم أخبر عن اعتداء أهل الهوى ومجازاتهم بالاعتداء بقوله تعالى: {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} [البقرة: 194]، اشار فيها أن يفوتكم من الأوقات بتوالي النفوس ونزاعها وغلبات صفاتها واستيلائها فتداركوه؛ الشهر بالشهر، واليوم باليوم، والساعة بالساعة، والوقت بالوقت، والأوراد بالأوراد، {وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} [البقرة: 194]، واقضوا الغاية، واقتضوا الحقوق.
{فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]؛ يعني: كل صفة من صفات النفس إذا غلبت واستولت عليكم، {فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ} [البقرة: 194]، وعالجوها بضدها، فإن غلبت بالبخل عالجوها بالسخاء، وإن غلبت بالغضب عالجوها بالحلم، وإن غلبت بالحرص عالجوها بالترك والزهد، وإن غلبت بالشهوة عالجوها بالرياضة والعقلة، فعلى هذا فقس الباقي، {بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، فاعتدوا عليها حتى تغلبوا عليها، {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [البقرة: 194]، في إفراط الاعتداء والاحتراز عن هلاك النفس بكثرة المجاهدات، وفي تفريط الاعتداء اجتناباً من الركون إلى شهوات النفس ومواقفها في المخالفات وهلاكها في فرط الآفات، {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 194]، بالنصرة إلى جهاد النفس وقهرها، ومنعها من الاعتداء بالتوفيق للاتقاء.
{وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [البقرة: 195]، من الأموال والأنفس التي اشتراها الله منكم كقوله تعالى:
{ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ } [الصف: 11]، {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]، في جهاد النفس بإفراط الاعتداء وتفرطه، ولا في جهاد الكفار بالإفراط بأن يبارز واحد على رهط، ولا بالتفريط بأن يفر واحد من الأثنين، وأيضاً: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} بالتفريط في الحقوق ولا بالإفراط بالحظوظ، وأيضاً: بموافقات النفوس ومخالفات النصوص، وأيضاً: بترك النفوس وتخلية القلوب، وأيضاً: بملاحظة الأعمال في استجلاء الأحوال، وأيضاً: بالركون إلى الفتور بالحسان والغرور.
{وَأَحْسِنُوۤاْ} [البقرة: 195]، مع نفوسكم بوقايتها عن نار الشهوات، ومع قلوبكم برعايتها عن دين الغفلات، ومع أرواحكم بحمايتها عن حجب التعلقات، ومع أسراركم بكلائتها عن ملاحظة المكونات، ومع الخلق بالتصفية ودفع الأذيات وإيصال الخيرات، ومع الله بالعبودية في المأمورات والمنهيات، والصبر على المضرات والبليات، والشكر على النعم والمسرات، والتوكل عليه في جميع الحالات، وتفويض الأمور إليه في الجزئيات والكليات، وتسليم الأحكام الأزليات، والرضا بالأقضية الأوليات، والفناء عن الإيرادات المحدثات في إرادته القديمة القائمة بالذات، {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195]، الذين هم في العبادة بوصف المشاهدة.
ثم أخبر عن شرائط الإحسان بإتمام ركن من الأركان بقوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} [البقرة: 196]، والإشارة فيها أن حج العوام وعمرتهم قصد البيت وزيارته، وحج الخواص قصد رب البيت وشهوده، كما قال الخليل:
{ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ } [الصافات: 99]، والحقيقة كما أنه أول من قصد الله وطلبه وتوجه بكليته إليه، وقال: { وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ } [الأنعام: 79] وسلك هذا الطريق وفدى بنفسه وماله وولده في الله واتخذ ما سواه عدواً، وقال: { فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ } [الشعراء: 77]، كان الخليل عليه السلام، وهذا كله من مناسك الحج الحقيقي؛ فلذلك جعله الله أول من بني بيت الله وطاف وحج { وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ } [الحج: 27]، وبين المناسك، وكان الحج صورة ومعنى، ظاهراً، وحقيقة مقامه عليه السلام كقوله تعالى: { فِيهِ ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ } [آل عمران: 97]، ولكنه كما كان له مقامات كان للنبي صلى الله عليه وسلم حالاً، والحال أتم من المقام؛ لأن المقامات من المنازل، والأحوال من المواهب، فيمكن سلوك المقامات بغير المواهب، ولا يمكن المواهب بغير سلوك المقامات، فلما كان الخليل عليه السلام من أهل المقامات { وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ } [الصافات: 99]، ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم من أهل المواهب قيل: { سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ } [الإسراء: 1]، فلما كان ذهابه بنفسه في الحج الحقيقي بقي في السماء السابعة {أُحْصِرْتُمْ} الحج والعمرة، وقيل: له: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} [البقرة: 196]، فأفدي بإسماعيل، ولما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وكان ذهابه بالله ما أحصره شيء، قيل له: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} [البقرة: 196]، فأتم حجه بإذن ربه، { فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ } [النجم: 8-9]، ثم أتم عمرته بأن تجلى له أقمار المقصود عن كشف تفرد بالشهود، وتجلي عناية المحبة عن شموس الوصلة، وجرى بين المحبين ما جرى، { فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ } [النجم: 10]، ثم نودي من سرادقات الجلال في إتمام الحج والإكمال يوم الحج الأكبر عند وقوفه بعرفات في حجة الوداع، وهو آخر الحجاب { ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً } [المائدة: 3].
ثم قال لأمته وقد علم فيهم الضعيف والعليل، وإذا التعلق والآفات، وأصحاب الحوائج والموانع: {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ} أي: واسعوا في إتمام صورة الحج وحقيقة بقدر استطاعتكم في متابعة صورة سير النبي صلى الله عليه وسلم وحقيقته، أما إتمامه في الصورة بأن تقيموا شرائعه المشروعة، ويكون قصدكم من بيوتكم أن تخرجوا لا للتجارة ولا للنزاهة ولا للرياء والسمعة، بل يكون خالصاً لله تعالى، وأما إتمامه في الحقيقة فبأن يكون خروجك من وجودك وقصدك الله بالله لا لشيء من المقاصد في الدارين، وبأن يقيم شرائطه في الطريقة؛ لتبلغ الحقيقة وتتيقن بأنه
{ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ } [النحل: 7]، {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} بعداوة النفس، وغلبة الهوى، وبملالة القلب، ودناءة النفس فيهدي بما كان الحصر منه، {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196]؛ معناه: لا تكونوا فارغين عنه مشغولين بغيره؛ حتى تبلغوا المقصد والمقصود.
{فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً} [البقرة: 196]؛ يعني: إن عارض لأحدكم مرض في الإرادة أو ضعف في الطلب {أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ} [البقرة: 196]؛ يعني: إذ يعله وتعتريه مانعات من إكماله من غير فترة من نفسه، فلم يجد بدا من الإقامة بفناء الرخص والنزول بساحة تأويلات العلم، فليجتهد أن لا ينصرف خطوة من الطريق ولا يعرض لمحة عن هذا الفريق، فإنه قال بعضهم: من أقبل على الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله، بل يلازم عتبة الفقر، وليطلب الفرج بالصبر، ويتدارك الأمر بما أشار إليه بقوله تعالى: {فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ} [البقرة: 196]؛ أي: الإمساك عن المشارب، {أَوْ صَدَقَةٍ} [البقرة: 196]؛ أي: بالخروج عن المعلوم، والتقرب بما أمكنه من التضرع والابتهال والتطوف على الأولياء وخدمة الفقراء، {أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196]؛ أو بذبح النفس في مقامات الشدائد، والصبر على البلاء، وبذل المجهود في طلب المقصود.
{فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ} [البقرة: 196]؛ يعني إذا زال الحصر وأشرق بنور الجبار هواء الزمان وقضاء العصر أقبل الجد الصاعد، والزمان المساعد، وتجدد عهد الطلب، وانقطع كلفة التعب، فليستأنف للوصلة وقتاً، وليفرش للقربة بساطاً وليتجدد للقيام بحق السرور نشاطاً، ولتقبل هي على البهجة، فقد مضت أيام المحنة، وليكمل الحج والعمرة، وليستدم القيام بحق الصحبة والخدمة، {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} [البقرة: 196]، فموجب الهدي لمعنيين.
أحدهما: الاستدراك ما فاته في أيام الفترة والوقفة، والاستغفار عنها، والثاني: الاستدراج ما استقبله من العواطف وشكرها، والهدي هو أن يهدي بأعز شيء من أمواله واجهاً إليه، ويصرفه عن أصحابه وإخوانه في الدين وأعوانه في الطلب، وينفقه على أرباب الهمم العلية من الفقراء الصادقين والأغنياء المتقين.
{فَمَن لَّمْ يَجِدْ} [البقرة: 196]؛ يعني: في الظاهر يساراً أو سعة، {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ} [البقرة: 196]، فعليه الإمساك عن مشارب حصول كمالات الوصول في تلك الحالة، {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196]؛ يعني: باقي العمر، {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196]؛ يعني: الإمساك عن المشارب كلها في غلبات الأحوال، وبعد الرجوع إلى عالم الأعمال من أوصاف الكمال وأخلاق الرجال، {ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} [البقرة: 196]؛ يعني: ذلك التوفيق لدوام المراقبة في الإمساك لمن لم يكن مقيماً في منزل من منازل النساك، بل يكون لقريب من الأوطان بل قريب من أهل الزمان، غريب في الأقران من الغرباء في آخر الزمان، الذي قال فيهم صلى الله عليه وسلم:
"فطوبى للغرباء" .
{وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [البقرة: 196]؛ أي: احذروا أن تسكنوا في فترة أو وقفة، أو تركنوا في مشرب من هذه الشرائط، {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [البقرة: 196]، للغافلين من هذا الخطاب، والمعرضين عن طريق الصواب، الغائبين بذل الحجاب، المردودين إلى العذاب.