التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
٢٢١
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ
٢٢٢
نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ
٢٢٣
وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
٢٢٤
لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ
٢٢٥
لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢٢٦
وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
٢٢٧
-البقرة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن نهج نكاح المشركات لعزة المؤمنات لقوله تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221]، والإشارة أن صلة رحم الدين والتمسك بعصمة المسلمين خير من صلة حبل الكفر والتمسك بعصم الكوافر، وإن كان فيه ما يعجبكم من مستحسنات للهوى والمشتهيات النفس، فإنها تدعو إلى النار لأنه خفت النار بالشهوات وترك ما يعجبكم به لامتثال أوامر الله تعالى، وإن لكم فيه كراهة {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 221]؛ لأن الجنة حفت بالمكاره: {وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ} [البقرة: 221]، أن يظهر في كل شيء آثار ألطافه مع عباده الناسين عهد الميثاق وما شاهدوا من ألطافه وعاينوا بلا واسطة: {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [البقرة: 221]، ما شاهدوا ويشتاقون إلى ما عاينوا أو لا يغترون بقليل فان عن كثير باق.
ثم أخبر عن سؤالهم عن المحيض وجواب مقالهم بقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة: 222].
والإشارة فيها أن لله تعالى أحكاماً موجبات للنقائص وليس فيها للعبد اختياراً ولا كسب، ولله فيها أسرار عجيبة وألطاف خفية، فمن ذلك كتب الله تعالى على بنات آدم من المحيض ولله فيه امتحان وابتلا ء مع الرجال والنساء، كما قال تعالى: {قُلْ هُوَ أَذًى} ثم امتحن الرجال بالاعتزال عن النساء، فقال تعالى: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ} [البقرة: 222]، وجعل التباعد عنهن في أيام الحيض تقرباً إليه، وقال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222]، ثم جعل التقرب إليهن على شرائط الأمر ومجانبة الطبع موجباً للمحبة والوصلة، وقال تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ} [البقرة: 222]، وعن موافقة الطبع {وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]، عن مخالفة الشرع وجعل اعتزال النساء وبعدهن عن الأزواج موجباً للقربة، وإن كان في الظاهر موجباً للعبد عن مقام المناجاة لأنهن منعن عن صورة المناجاة، وهي مداومة الذكر ومراقبة القلوب وقال تعالى:
"أنا جليس من ذكرني" وجعل تطهرهن ومحافظة أنفسهن عن إتيان المنهي موجباً للمحبة والوصلة، وقال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ} [البقرة: 222]؛ أي: محافظي النفس عن المنهيات ويحب المتطهرين أي: مربي النفس بالمأمورات، فكما أن للنساء محيضاً في الظاهر، وهو سبب نقصان إيمانهن عن الصلاة والصيام، فكذلك للرجال محيض في الباطن وهو سبب نقصان إيمانهم عن حقيقة الصلاة هي المناجاة وعن حقيقة الصيام، وهو الإمساك عن مشتهيات النفوس، وهو هوى النفس كما أن المحيض هو سيلان الدم عن الفرج، فكذلك الهوى عن غَلبات دواعي الصفات البشرية والحاجات الإنسانية فكلما غلب الهوى تكدر الصفاء، وحصل الأذى وقيل: قطرة من الهوى تكدر بحراً من الصفا، فحينئذ غلبة منعت النفس عن الصلاة والصوم في الحقيقة، وإن كانت مشغولة بها في الصورة فأذى الحيض الصوري إن الحائض ممنوعة عن القرابات بالصورة لا بالمعنى، وأذى الحيض المعنوي أن الحائض ممنوع عن القربات بالمعنى لا بالصورة إذا نودي قلوب الرجال من سرادقات الجلال، فاعتزلوا النساء النفوس في المحيض غلبات الهوى حتى يطهرن أن يفرغن من قضاء الحوائج الضرورية للإنسان من المأكول والمشروب والمنكوح وغير ذلك، فإذا تطهرن بماء التوبة والاستغفار والإنابة رجعن إلى الحضرة في طلب القربة فأتوهن بالتصرف فيهن من حيث أمركم الله يعني: عند ظهور شواهد الحق بزهوق باطل النفس واضمحلال هواها، إن الله يحب التوابين عن أوصاف الوجود، ويحب المتطهرين بأخلاق المعبود بل يحب التوابين عن بقاء الشهود.
ثم أخبر عن حال النساء وحرث الأولياء بقوله تعالى: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} [البقرة: 223]، والإشارة فيها أن طبقات الخلق ثلاث:
العوام والخواص وخاص الخواص.
أما العوام: فلما كانوا أهل الغيبة عن الحقيقة أبيح لهم السكون إلى أشكالهم إذ كان على وصف الحضور يحرم عليهم المساكنة بالإذن وقيل لهم: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} [البقرة: 223].
وأما الخواص: فلما كانوا بوصف الحضور يحرم عليهم المساكنة إلى أمثالهم وقيل لهم:
{ قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ } [الأنعام: 91] سلكوا بقدم التجريد مسالك التفريد حتى وصلوا إلى كعبة التفريد.
وأما خاص الخواص: فهم الرجال البالغون الواصلون إلى عالم الحقيقة المتصرفون في ما سوى الله تعالى بخلافة الحق فهم رجال الله، وما دون الله نساؤهم فقيل لهم {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} [البقرة: 223]، فهم الأنبياء وخواص الأولياء القائمون بالله الداعون إلى الله بإذن الله، وكما أن الدنيا مزرعة الآخرة لقوم فإن الدنيا والآخرة مزرعتهم ومحرثهم يحرثون فيها أنى شاءوا وكيف شاءوا وما يشاءون إلا إن شاء الله فقد فنيت مشيئتهم في مشيئة فبقيت قدرة تصرفهم بتقويته {وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 223]، فيقدمون لأنفسهم لا بأنفسهم بل هو المقدم لما يتقدمون وهو المؤخر لما يؤخرون ثم قال تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ} [البقرة: 223]؛ يعني: خواص الأولياء المتصرفون في حرث الدنيا والآخرة واتقوا الله بالله، وأنكم بلا قوة ولا يحجبكم عنه شيء {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 223]، بأنهم ملاقوا الله أيضاً أن اتقوا الله بالله يعني: مرتبة خواص الأولياء مبشرة للمؤمنين أو تسعوا في طلبها حق سعيها.
ثم أخبر عن إيمان الأيمان بقوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 224]، والإشارة فيها أن عظموا الله ونزهوه أن تجعلوه في معرض لك غرض خسيس وحفظ دنيء، وأن تجعلوا ذكره وسيلة لرفع الخيرات وذريعة لجلب المضرات {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 224]، يسمع بسمع القبول إذا ذكر بالتعظيم يعلم عظم ذكره في القلوب فيجازيهم على قدر تعظيمهم إياه.
ثم أخبر عن عفوه اللغو ويتجاوزه السهو بقوله تعالى: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 225]، والإشارة فيها أن يجري على الظواهر من غير قصد ونية في البواطن ليس له كثير خطر في الخير والشر ولا زيادة أثر، ولو كان له أثر في الخبر لما غاب على قوم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وكذلك ما يجري على اللسان بنية القلب بلا فعل الجوارح، ولو كان مؤثراً في القبول لما عاب قوماً بقوله تعالى:
{ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } [الصف: 3]، ولو كان له أثر في الرد لما وسع على قوله بقوله: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225]، وما عفا عن قوم بقوله تعالى: { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ } [النحل: 106]، وذلك لأن القلب كالأرض للزراعة والجوارح إلا من كره، وقلبه مطمئن بالإيمان، وذلك لأن القلب كالأرض للزراعة، والجوارح كآلات الحرث، والأعمال والأقوال كالبذر، فالبذر ما لم يقع في الأرض المربية للزراعة لا ينبت، وإن كان في آلة من آلات الحراثة، فافهم جدّاً.
وأما إن كان لما يجري على الظواهر من الخير، وفيه أثر في القلب، ولو كان مثقال ذرة، فإن الله تعالى من كمال فضله وكرمه لا يضيعه، كما قال الله تعالى:
{ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ } [الزلزلة: 7]؛ بل يضاعفه أضعافاً مضاعفة حتى يكون القليل كثيراً والصغير عظيماً، كقوله تعالى: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } [النساء: 40]، وأما إذا كان لما يجري على الظواهر من الشر أدنى أثر في الطلب، فإن الله تعالى من غاية لطفه وإحسانه لا يؤاخذ العبد به؛ بل يحلم عنه ويتوب عليه، ويغفر له كما قال الله: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} [البقرة: 226]، الآيتين والإشارة فيهما أن يعلم العبد أن الله تعالى لا يضيع حق أحد من عباده لا على نفسه، ولا على غيره فلما تقاصر لسان الزوجة لكونها أسيرة في يد الزوج، فالله تعالى تولى الأمر بمراعة حقها، فأمر الزوج بالرجوع إليها أو تسريحها، فإذا كان حق صحبة الإشكال محفوظاً عليك حتى لو أخللت به أخذك بحكمة فحق الحق أحق بأن تجب مراعاته {فَإِنْ فَآءُو} [البقرة: 226]، ارجعوا عن تضييع حقوقه إلى إحياء ما أماتوا واستدركوا ما ضيعوا {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} [البقرة: 226]، يغفر بالتوبة والإناية ما صدر منهم {رَّحِيمٌ} [البقرة: 226]، يرحم عليهم بتدارك ما فات لهم، وفي تعين تربص أربعة أشهر، في الفيء إشارة عجيبة، وهي أنها مدة تعلق الروح بالجنين كما قال صلى الله عليه وسلم: "أن الله خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً ما نطقه ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم بعث الملك بأربع كلمات يقول: اكتب رزقه وعمله وأجله وشقيا أم سعيداً ثم نفخ فيه الروح" ، فمن وقع له من أهل القصد وقفة أو فترة في أثناء السلوك من دلالة النفس ونفرة الطبع فعلى الشيخ، وعلى الأصحاب أن لا يفارقوه في الحقيقة، وأن يعاونوه بالهمم العلية لاستجلابه، وتربصوا أربعة أشهر الرجوع، فإن فاءوا إلى صدق الطلب ورعاية حق الصحبة، واستغفر على ما جرى منه، ونفخ فيه روح الإرادة مرة أخرى أقبلوا عليه، ويعفون عما لديه فإن هذا ربيع لا يرعاه إلا المهزولون، وربع لا يسكنه إلا المعزولون ومنهل لا يرده إلا اللاهون، وباب لا يقرعه إلا الماكثون بل هذا شراب لا يذوقه إلى العارفون وغناء لا يطرب عليه إلا العاشقون {وَإِنْ عَزَمُواْ} [البقرة: 227] بعد مضي أربعة أشهر: {ٱلطَّلاَقَ} [البقر ة: 227]، طلاق منكوحة المواصلة، وأصروا على ذنب المفارقة فلهم التمسك بعروة { هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ } [الكهف: 78] {فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} [البقرة: 227]، بمقالتهم {عَلِيمٌ} [البقرة: 227]، بحالتهم.