التفاسير

< >
عرض

ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ
٤٦
يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ
٤٧
وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ
٤٨
وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ
٤٩
وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ
٥٠
وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَٰلِمُونَ
٥١
-البقرة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ} [البقرة: 46] أي: يوقنون بنور التجلي {أَنَّهُم مُّلَـٰقُواْ رَبِّهِمْ} [البقرة: 46]، أنهم يشاهدون كمال الحق، {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ} [البقرة: 46]، بجذبات الحق الذي جذبه منها توازي عمل الثقلين.
ثم أخبر عن تأكيد ذكر النعمة لتجديد المنة بقوله تعالى: {يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 47]، والإشارة في تحقيق الآية أن الخطاب في قوله تعالى: {يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 47]، ظاهره عام وباطنه خاص مع قوم منهم قد علم الله فيهم خيراً، فأسمعهم خطابه في السر، فذكروا النعمة التي أنعم الله بها عليهم، وهي استعداد قبولهم رشاش نوره يوم خلق الله الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره، فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم من خاصة قبول ذلك الرشاش كما قال صلى الله عليه وسلم:
"فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ظل" .
{وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ} [البقرة: 47] أي: بهذه النعمة عند رش النور على من لم يصبهم ذلك النور مع العالمين {وَٱتَّقُواْ يَوْماً} [البقرة: 48] أي: عذاب يوم يخوف الله العام بأفعاله، كما قال تعالى: {وَٱتَّقُواْ} [البقرة: 48]، ويخوف الخاص بصفاته كقوله تعالى: { أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } [النحل: 23]، وقوله تعالى: { لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ } [الأحزاب: 8]، ويخوف خاص الخاص بذاته لقوله تعالى: { وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } [آل عمران: 28]، وقوله تعالى: { ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } [آل عمران: 102].
{لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} [البقرة: 48]،
{ وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } [الانفطار: 19] {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ} [البقرة: 48]، في حق نفسها ولا في حق غيرها بغير الإذن، كقوله تعالى: { مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } [البقرة: 255]، و{وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} [البقرة: 48] أي: عدل لأنه { لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ } [النجم: 39-40]، والسعي المشكور إنما يكون هاهنا {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 48]، لأنهم ما نصروا الحق هاهنا وقد قال تعالى: { إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ } [محمد: 7].
ثم أخبر عن أنواع نعمته وأصناف كرمه معهم بقوله تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} [البقرة: 49]، والإشارة فيها أن النجاة من آل فرعون النفس الأمارة بالسوء، وهي صفاتها الذميمة وأخلاقها الرديئة في يوم: {يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} [البقرة: 49]، الروح والقلب بذبح أبناء الصفات الروحانية الحميدة، واستحياء نساء بعض الصفات القلبية الاستخدامهن في الأعمال القذرة الحيوانية لا تكن إلا بتنجية الله تعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم:
"لا ينجي أحدكم عمله. قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضله ورحمته" {وَفِي ذَٰلِكُمْ} [البقرة: 49] أي: استيلاء صفات النفس على القلب والروح {بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} [البقرة: 49]، في الخير والشر فمن يهدي الله ويصلح باله حتى يرجع إلى الله تعالى في طلب النجاة فينجيه الله تعالى ويهلك عدوه، ومن يضلله يخلد إلى الأرض واتبع هواه وكان أمره فرطاً، فيرديه الله تعالى ويغلِّب عدوه.
ثم أخبر تعالى عن نعمته العظمى تارة بعد أخرى بقوله تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ} [البقرة: 50]، والإشارة فيها أن البحر هو الدنيا، ماؤه وشهواتها ولذاتها وموسى هو القلب وقومه صفات القلب، وفرعون هو النفس الأمارة، وقومه صفات النفس وهم أعداء موسى وقومه يطلبونهم ليقتلونهم، وهم سائرون إلى الله تعالى من العدو وهم خلفهم وبحر الدنيا أمامهم، ولا بدَّ لهم في السير إلى الله تعالى من العبور على البحر، ولو يخوضون البحر بلا ضرب عصا، "لا إله إلا الله" على يد موسى القلب، فإن له يداً بيضاء في هذا الشأن، لغرقوا كما غرق فرعون وقومه، ولو كانت هذه العصا في يد فرعون النفس لم يكن لها معجزة انفلاق البحر، فلما أن ضرب موسى القلب بعصا الذكر بإذن الله تعالى مرة بعد أخرى ينفلق بحر الدنيا بنفي لا إله، ويتفرق ماء شهواته يميناً وشمالاً ويرسل الله تعالى ريح العناية وشمس الهداية على قعر بحر الدنيا، فيصير يابساً من ماء الشهوات، فيخوض موسى القلب وصفاته، فيتجاوزون وتنجيهم عناية: "إلا الله" إلى ساحل:
{ وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ } [النجم: 42] وقيل لفرعون النفس: { أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً } [نوح: 25]، فافهم جدّاً، "فإن للقرآن ظهراً وبطناً" .
ثم أخبر بعد العبور عن ميعاد الحصول في ميقات القرب والوصول بقوله تعالى: {وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [البقرة: 51]، الإشارة فيها معنيان: عدد الأربعين في الميعاد الاختصاصية في الكمالية ذلك؛ لأن مراتب الأعداد أربع الآحاد والعشرات والمئات والألوف، والعشرة عدد في نفسها كاملة لقوله تعالى: { تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } [البقرة: 196]، وإذا ضعفت العشرة أربع مرات، وهو أكمل مراتب الأعداد يكون أربعين، وهو كمال الكمال، وهو عدد أيام تخمير طينة آدم عليه السلام لقوله تعالى: "خمرت طينة آدم بيدي أربعين صباحاً" فللأربعين خاصية وتأثير لا توجد في غيرها من الأعداد.
كما جاء الحديث الصحيح عن عبد الله ابن مسعود - رضي الله عنهما - قال:
"حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ... الحديث" كما أن انعقاد الطلسم الجسماني على وجه الكنز الروحاني كان مخصوصاً بالأربعي، كذلك يكون انحلاله باختصاص الأربعين { سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً } [الفتح: 23].
ولهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"من أخلص لله أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه" وإنما اختصاص الليل بالذكر في قوله: {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} فلمعنيين:
أحدهما: أن لليل خصوصيته في التعبد والتقرب لقوله صلى الله عليه وسلم:
"أقرب ما يكون العبد من الرب في جوف الليل" وهكذا قوله صلى الله عليه وسلم: "ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا... الحديث" ، ولهذا المعنى قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ } [الإسراء: 79]، وقال تعالى: { سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً } [الإسراء: 1].
والآخر: أنه لو ذكر اليوم دون الليل لظن موسى عليه السلام أنه موعود بالتعبد في النهار دون الليل، وإنما الليل جعل للاستراحة والسكون لقوله تعالى:
{ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً } [يونس: 67]، فلما اختص الليل بالذكر علم موسى عليه السلام أن التعبد في الليل والنهار جميعاً.
ثم أخبر عن نعمة عفوه عنهم مع ما يصدر من المظالم منهم بقوله تعالى:
{ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم } [البقرة: 52]، والإشارة فيها أن الله تعالى لما أراد أن يخرج جوهر الشكورية التي هي من صفات الربانية من معدن الإنسانية أنعم عليهم بإسباغ نعمه الظاهرة والباطنة.
فمن نعمه الظاهرة: ما ذكر في الآيات السابقة بقوله تعالى:
{ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ } [البقرة: 40].