التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ
٦
خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ
٧
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ
٨
يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ
٩
فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ
١٠
-البقرة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [البقرة: 6]، أي حجروا ربوبيتي بعد إقرارهم في عهد { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ } [الأعراف: 172]، بإجابة {بَلَىٰ} ستروا صفاء قلوبهم برين ما كسبوا من أعمالهم الطبيعية النفسانية، وأفسدوا حُسن استعدادهم من فطرة الله التي فطر الناس عليها باكتساب الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية، كما قال تعالى: { كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } [المطففين: 14]، وذلك أن أرواحهم النفيسة لما نظروا بروزنة الحواس الخمس إلى عالم الصور الحسية حجبت عن مألوفاتها ومجارياتها، ثم ابتليت بصحبة النفوس الحيوانية واستأنست بها، ولهذا سمي الإنسان إنساناً؛ لأنه أنيس، فبمجاورة النفس الخسيسة صالح الروح النفيس خسيساً، فاستحسن ما استحسنته النفس واستلذ بما استلذت به النفس، واستمتع من المراتع الحيوانية فانقطعت عنه الأغذية الروحانية ونسي حضائر القدس وجوار الحق ورياض الأنس، ولهذا سمي الناس ناساً لأنهم نسوا فتاهوا في أودية الخسران فاستهواهم الشيطان في الأرض حيران، ولما نسوا الله بالكفر فنسيهم بالخذلان حتى غلب عليهم الهوى، وواقعهم في مهالك الردى، فأصبحوا بنفوس أصبى وقلوب مولى.
{سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ} [البقرة: 6]، بالوعد والوعيد وخوفهم بالعذاب الشديد {أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} [البقرة: 6]، لم تحذرهم {لاَ يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6]، بما أخبرتم ودعوتهم إليه وأنذرتهم عليه؛ لأن روزنة قلوبهم إلى عالم الغيب منسدة بغشاوة حلاوة الدنيا وقلوبهم مغلوقة بحب الدنيا وشهواتها مغفولة عليها بمتابعة الهوى كما قال تعالى:
{ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ } [محمد: 24] فما تشموا روائح الإنس من رياض القدس، بل هبت عليهم ريح ضرر الشقاوة من جهة حكم السابقة، وأدركهم بالختم على أقفالها كما قال تعالى: {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ} [البقرة: 7]، في الختم إشارة إلى بداية سوابق أحكام القدر بالسعادة والشقاوة على وفق الحكمة والإرادة الأزلية للخليقة، كما قال تعالى: { فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ } [هود: 105]، مع حسن استعداد جميعهم بقبول الإيمان والكفر، ولهذا لما خاطب الحق ذراتهم بخطاب { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ } [الأعراف: 172]، قالوا: {بَلَىٰ} جميعاً، ثم أودع الله الذرات في القلوب والقلوب في الأجساد، والأجساد في الدنيا في ظلمات ثلاث، وكانت روزنة القلوب كلها مفتوحة إلى عالم الغيب بواسطة الذرات المودعات التي سمعت خطاب الحق، وشاهدت كمال الحق إلى وقت ولادة كل إنسان كما قال صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" وفيه إشارة إلى أن الله يكل الأشقياء إلى تربية الوالدين في معنى الدين حتى يلقونهم تقليد ما ألفوا عليهم آباءهم من الضلالة فيضلوهم، كما قال تعالى: { أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } [الأنبياء: 54]، فكانت تلك الشقاوة المقدر مضمرة في ضلالة التقليد والصفات النفسانية الظلمانية والهوى والطبيعة، ثم جعل تأثيرها وظلمتها ورينها يندرج إلى القلوب؛ فيقسيها ويسودها ويغطيها، ويسد روزنتها إلى الذرات فيعميها ويصمها حتى لا يبصر أهل الشقاوة ببصر الذرات من الحق ما كانوا يبصرون ولا يسمعون بسمع الذرات من الحق ما كانوا يسمعون، فينكرون على الأنبياء ويكفرون بهم وبما يدعونهم إليه، فيختم الله شقاوتهم بكفرهم هذا ويطبع به على قلوبهم، كقوله تعالى: { بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } [النساء: 155]، فسر القدر مستور لا يطلع عليه أحد إلا الله، فيظهر آثار السعادة بإقرار السعداء ويظهر آثار الشقاوة بإنكار الأشقياء وكفرهم من القدر، كالبذر في الأرض مستور فتظهر الشجرة منه وهو في الشجرة مستور، فيخرج مع الأغصان من الشجرة وهو في الأغصان مستور، حتى يخرج مع الثمرة من الأغصان وهو في الثمرة مستور، حتى يظهر من الثمرة فيختم ظهور البذر بالثمرة فكذلك سر القدر، وهو بذر السعادة أو الشقاوة مستور في علم الله تعالى، فتظهر شجرة وجود الإنسان منه والسعادة والشقاوة مستورة فيها فتخرج أغصان الأخلاق وهي مستورة فيها، فتخرج مع ثمرة الأعمال وهي الإقرار والإنكار والإيمان والكفر، فيختم ظهرو سر القدر وهو السعادة أو الشقاوة بثمرة الإيمان أو الكفر، فيظهر سر القدر عند الختم بالسعادة أو الشقاوة فالذين {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ} إنما ختم بخاتم كفرهم.
وإن كان نقش خاتمهم هو الأحكام الأزلية وسر القدر حتى حرموا من دولة الوصال وبه ختم {وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ} [البقرة: 7] حتى لم يسمعوا خطاب الملك ذي الجلال {وَعَلَىٰ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَاوَةٌ} [البقرة: 7]، من العمى والضلال، فلم يشاهدوا ذلك الجمال والكمال فلهم حرمان مقيم {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} [البقرة: 7]، لأنهم منعوا من مرادهم وهو العلي العظيم، فعظم العذاب يكومن على قدر عظمة المراد الممنوع منه.
ثم بعد ذكر المؤمنين وأحوالهم والكافرين وأفعالهم ذكر المنافقين وأقوالهم وأعمالهم وخصالهم بقوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} [البقرة: 8]، والناس هم الذين نسوا الله ومعاهدته يوم الميثاق فمنهم من يقول آمنا بالله بلسانه
{ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ } [آل عمران: 167]، فإن الإيمان الحقيقي ما يكون من نور الله الذي يقذفه الله في قلوب خواصه، وقوله تعالى: {وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} [البقرة: 8] أي: بنور الله يشاهد الآخر فيؤمن به، فمن لم ينظر بنور الله لا يكون مشاهد العالم الغيب، فلا يكون مؤمناً بالله وباليوم الآخرة.
ولهذا قال: {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] أي: بالذي يؤمنون من نور الله تعالى. وفيه معنى آخر: وما هم بمستعدين للهداية إلى الإيمان الحقيقي؛ لأنهم من غاية الغلالة والخذلان {يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 9] أي: يمكرون بالله والمؤمنين بإظهار الإيمان وإخفاء الكفر لينالوا من الله والمؤمنين منافع الإيمان من الأمان عن القتل والنهب والأسر وغير ذلك من تظلم مصالح الدنيا، والإشارة في تحقيق الآية أن الله تعالى لما قدر لبعض الناس الشقاوة في الأزل ثمر بذر سر القدر المستور في أعمال ثمرة مخادعة الله في الظاهر ولا يشعر أن مخادعته نتيجة بذر سر القدر بطريق تزيين الدنيا في نظره وحب شهواتها في قلبه كما قال تعالى:
{ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ } [آل عمران: 14]، فالخدع بزينة الدنيا وطلب شهواتها عن الله تعالى وطلب السعادة الأخروية فعلى الحقيقة هو الخادع الممكور.
كما قال تعالى:
{ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } [النساء: 142]، فعلى هذا: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم} [البقرة: 9]، حقيقة في صورة مخادعتهم الله والذين آمنوا؛ لأنهم كانوا قبل مخادعتهم الله مستوجبين النار بكفرهم مع إمكان ظهور الإيمان عنهم، فلما شرعوا في إظهار النفاق بطريق المخادعة نزلوا بقدم النفاق الدرك الأسفل من النار وبطلوا استعداد قبول الإيمان وإمكانة عن أنفسهم، فكانت مفسدة خداعهم ومكرهم راجعة إلى أنفسهم {وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 9] أي: ليس لهم الشعور بسر القدر الأزلي، وأن معاملتهم في المكر والخداع من نتائجه؛ لأن {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [البقرة: 10]، ومرض القلب مانعهم من شعور سر القدر، والإشارة في تحقيق الآية أن سر مرض قلوبهم إنما كان من بذر تقدير شقاوتهم في الأزل، فأنبت شجرة الشك والنفاق في قلوبهم بماء حب الدنيا، فأحبهم وأعمى أبصارهم حتى لم يبق لقلوبهم الشعور بالآفات، ولو كانت قلوبهم سالمة من هذه العاهة والمرض لعلموا أن مفسدة نفاقهم ومخادعتهم راجعة إليهم في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن الله يظهر نفاقهم وبه بفضحهم عند النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى يوم القيامة، ويزيد شؤم نفاقهم في مرض قلوبهم، كما قال تعالى: {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} [البقرة: 10]، وأما في الآخرة فلا ينفعهم المال والبنون وما يمكر بهم في الدنيا بسبب نفاقهم الذي يزيد في مرض قلوبهم، وإنما تكون منفعتهم هناك في القلب السليم لا في المال السليم، كما قال تعالى: { يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [الشعراء: 88-89]، فللمنافق لما أفسد بالنفاق على نفسه سلامة قلبه لسلامة ماله وأهله لا ينفعه أهله وماله، ولكن يزيد نفاقه وكذبه في ألم عذابه، كما قال تعالى: {وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 10]، ففيها وفي قراءة من قرأ: {كَانُوا يَكْذِبُونَ} دلالة على أن لكذبهم ونفاقهم عذاباً ولتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم عذاباً آخر، فيكون ألم عذابهم بالنسبة إلى الكفار ضعفين، نظيره قوله تعالى: { وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ } [الأحزاب: 67]، أنهم ضعفين من العذاب يعني عذاب الضلالة والإضلال فاختصاص المنافقين بالدرك الأسفل من النار لهذا المعنى، فإنهم مع الكفار مشتركون في دركات النار، وهم مختصون بالدرك الأسفل بمزيد نفاقهم على الكفر، والله أعلم.
وفي الآيات الثلاث إشارات ودلالات أُخر؛ وهي قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8]، إشارة إلى أهل الغفلة والنسيان من المسلمين يظنون أنهم مؤمنون حقاً وإنما هم مؤمنون باللسان والتقليد، وهم يحسبون أنهم آمنوا بالتحقيق، فما هم بمؤمنين حقيقة بل هم مسلمون، كما قال تعالى:
{ قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } [الحجرات: 14]، والإيمان الحقيقي نور إذا دخل القلب، فيظهر على المؤمن حقيقة، كما كان لحارثة لما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيف أصحبت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمناً حقاً قال: يا حارثة إن لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ قال: عرفت نفسي عن الدنيا فأظمأت نهرها وأسهرت ليلها واستوت عندي حجرها وذهبها، وكأني أنظر إلى أهل الحنة يتزاورون وإلى أهل النار يتضاغون، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عرفت فالزم" .
{يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ} [البقرة: 9] أي: بأعمالهم ويطلبون منافع الدنيا والآخرة ولا يطلبونه {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم} [البقرة: 9]، بغير الله عن الله {وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 9] وليس لهم شعور بهذا الخداع والحرمان عن الله بغير الله { فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } [المائدة: 52]، الالتفات إلى غير الله، ولو كانت قلوبهم سليمة من هذه العلة والمرض لشاهدوا جمال الحق فأحبوه حباً شديداً، ولم تبق محبة غير الله في قلوبهم، كما قال تعالى: { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ } [البقرة: 165].
{فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} [البقرة: 10] أي: فزاد مرض الالتفات على مرض خداعهم فحرموا عن الوصول والوصول {وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 10]، من حرمان الوصول إلى الله تعالى بما كانوا يكذبون، إنا آمنا بالله.