التفاسير

< >
عرض

قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ
٩٤
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمينَ
٩٥
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
٩٦
قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ
٩٧
مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ
٩٨
وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ ٱلْفَاسِقُونَ
٩٩
-البقرة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن كمال جهلهم وغرورهم إن اليهود ادعوا الاختصاص عن الله تعالى بالأشياء، فكذبهم الله تعالى بقوله: {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ} [البقرة: 94]، إلى قوله: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 96] والإشارة في تحقيق الآيات أن من علامات الاشتياق تمني الموت على بساط العوافي، ومن وثق أن الجنة له فلا محب له ليشتاق إليها، وفيه معنى آخر وهو من أمارة أن يكون المرء من أهل الجنة تمنيه الموت لقوله تعالى: {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ} [البقرة: 94]، قال عقيب ادعائهم أنهم أهل الجنة بفاء التعقيب يعني {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 94]، موقنين من أهل الجنة حقيقة، فتمني الموت يكون بوصف حالكم.
ثم قال تعالى: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [البقرة: 95]، من سوء الأفعال والأقوال والأحوال؛ يعني: أن لا يكون تمني الموت من نتائج معاملات السوء التي توجب النار، وفيه إشارة إلى النار باب علوم الظاهر المنكرين على أرباب علوم الباطن يزعمون أنهم من أهل النجاة والدرجات دون الأئمة المحققين، فجعل الله تعالى أمارة أهل النجاة السلامة مع الحياة الدنيا وتمني الموت، وهذا وصف حال السالك الصادق والمحقق العاشق، كما قال بعضهم:

أقتلوني يا ثِقاتي إِنَّ في قَتلي حَياتي
وَمَماتي في حَياتي وَحَياتي في مَماتي

وحال المنكرين من أهل الأهواء والبدع والعلماء الحريصين على الدنيا بخلاف هذا، فإنهم لن يتمنوه أبداً قال تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} [البقرة: 96] لأن المشرك وإن كان حريصاً على الحياة، ولكن لم يكن له خوف العذاب لإنكاره البعث ولمنكر المعرفة حرص الحياة وخوف العذاب، فيكون أحرص على الحياة من المشرك، وفيه أن حب الحياة من نتيجة الغفلة عن الله، فأشدهم عنه غفلة أحبهم للبلقاء في الدنيا وحال المؤمن على ضده فالعبد المطيع يحب الرجوع إلى سيده والعبد الآبق لا يريد الرجوع إلى سيده، وفي الحديث الصحيح: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" أي: محبة العبد للقاء نتيجة محبة الله للقاء العبد كقوله تعالى: { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [المائدة: 54].
ثم أخبر عن غاية خذلانهم من عداوتهم لجبريل لقوله تعالى: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ} [البقرة: 97]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى خص النبي صلى الله عليه وسلم من سائر الأنبياء بإنزال القرآن على قلبه، فإن جميع الكتب كان ينزل ظاهراً جملة واحدة في الألواح والصحائف مكتوبة.
* فمن فوائد ضرورة القرآن معجزة بأن يأتي بمثل هذا القرآن الذي لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذه القرآن لا يأتون بمثله لآية.
ومنها: أن القرآن لما أنزل على قلبه صلى الله عليه وسلم أنزل عليه آية وآيات أو سورة بدفعات في مدة ثلاث وعشرين سنة من سني النبوة؛ ليتصف قلبه بأخلاق القرآن، وما أشير إليه فيه ويتأدب بآدابه كما روي عن عائشة - رضي الله عنها - وعن أبيها حين سُئلت ما كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى يقول:
{ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ } [القلم: 4]، قالت: "كان خلقه القرآن" كقوله تعالى في جواب الكفار حين قالوا لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة قال تعالى: { كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً } [الفرقان: 32]، ومنها أن القرآن لما نزل أنزل على قلبه صار قلبه خاشعاً خاضعاً من خشية تعالى حتى قال: "أنا أعلمكم بالله وأخشاكم منه"، وهذا من خصائص إنزال القرآن على قلبه لقوله تعالى: { لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } [الحشر: 21]، ولو كانت التوراة أنزلت على قلب موسى عليه السلام لا في الألواح ما ألقى الألواح في حال الغضب، وما يحتاج إلى صحبة الخضر عليه السلام لتعلم العلم اللدني.
وقوله تعالى: {مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} [البقرة: 98] أي: عدواتهم لله وملائكته لأن الله وملائكته عدو لهم يعني عداوتهم لله نتيجة عداوة الله تعالى لهم كقوله تعالى:
{ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [المائدة: 54]، فإن محبة المؤمنين نتيجة محبة الله تعالى لهم؛ لأن صفات الله تعالى قديمة وصفات الخلق محدثة، فلما نظر الله تعالى بنظر القهر والجلال والخذلان إلى ذات الكافرين، وقال: هؤلاء إلى النار ولا أبالي، صار ذلك النظر بذر شجرة شقاوتهم فأثمرت الشجرة شجرة العداوة لله تعالى وملائكته، وكذا أحوال المؤمنين على الضد من هذا.
ثم قال تعالى في جواب ابن صوريا حين قال: يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك بها بقوله: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [البقرة: 99]، إلى قوله: {لاَ يُؤْمِنُونَ} الآيتين والإشارة فيهما أن معجزة كل نبي كان ظهورها على الأنبياء في الظاهر كإحياء الطيور لإبراهيم عليه السلام واليد والعصا لموسى عليه السلام وإحياء الموتى وإبرار الأكمه والأبرص لعيسى عليه السلام فهم والخلق في مشاهدتها سواء، وكان معجزة النبي صلى الله عليه وسلم إنزال الآيات البينات على قلبه فكان ظهورها في نفسه صلى الله عليه وسلم أولاً، ثم تظهر على الخلق ثانياً بعد أن صارت خلقه، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"مَا مِنْ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ إِلا وَقَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُتِيتُهُ وَحْياً أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعاً يَوْمَ الْقِيَامَة" حديث متفق على صحته.
فالآيات البينات هي أنواع معجزات القرآن منها: جزالة لفظه، وفصاحة عبارته، وبلاغة نظمه الذي عجز عنها فصحاء العالم وبلغاؤه من حين نزوله إلى الآن، ومنها: أن الله تعالى جمع بلفظ معاني وحكم كثيرة في الألفاظ يسيرة، ومنها: إيجاز الكلام في إشباع من المعنى فالكلمة القليلة الحروف منه تضمن كثيراً من المعاني والحقائق وأنواعاً من الأحكام بحيث لا يتصور مثله من غير الله تعالى، ومنها: إدراج ما اشتملت عليه جميع الكتب المنزلة على الأنبياء - عليهم السلام - فيه من الأحكام والمواعظ والحكم مع ما تضمنه ما لم يشتمل عليه الكتب المنزلة سواه كما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:
"أوتيت جوامع الكلم" ، ومنها: أن الله تعالى أنزل فيه ما أكمل به الدين وأتم به نعمته على عباده من أحكام الشريعة وآداب الطريقة وأسرار الحقيقة بحيث لم يترك دقيقة يحتاج إليها الكاملون الواصلون البالغون في أثناء سلوكهم وسيرهم إلى الله تعالى إلا أودعها فيه، كما قال تعالى: { وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ } [الأنعام: 59]، هذا مما يعجز عنه جميع الخلائق، ومنها: الإخبار عن شهود الأشياء الكامنة في الغيب إلى يوم القيامة فظهر كثير منها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده إلى الآن كما أخبر عنه القرآن وغير ذلك من الآيات الواضحات.
{وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ ٱلْفَاسِقُونَ} [البقرة: 99]، الخارجون عن نور الروحانية إلى الظلمات البشرية الحيوانية وشدت عن إدراك بصائرهم، وسبق الشقاوة من الله تعالى قسمتهم؛ فكما لا عقل لمن يجحد أن النهار نهار، فكذلك لا إدراك لمن لم يساعده من الحق أنوار واستبصار لا جرم كلما عاهدوا عهداً كان يشوشهم سابق التقدير لهم وينقص عليهم حق التدبير فيهم والله غالب على أمره.