التفاسير

< >
عرض

قَالَ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ
٩٢
أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي
٩٣
قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي
٩٤
قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ
٩٥
قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي
٩٦
قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً
٩٧
إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً
٩٨
كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً
٩٩
-طه

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن إمارات الفتنة، وأمَّا تأتها بقوله تعالى: {قَالَ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ} [طه: 92] إلى قوله: {مِن لَّدُنَّا ذِكْراً} [طه: 99] {قَالَ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه: 92-93] إشارة إلى أن موسى عليه السلام لما كان بالميقات مستغرقاً في شواهد الحق ما كان يرى غير الحق تعالى، ويكن محتجباً بحجب الوسائل حتى أن الله تعالى ابتلاه بالوسائط بقوله تعالى: { قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ } [طه: 85] يا موسى. {وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ} [طه: 85] أضاف الفتنة إلى نفسه، وأحال الإضلال إلى السامري اختياراً؛ ليعلم منه أنه: هل يرى غير الله في أفعاله الخير والشر؟ فما التفت إلى الوسائط وما رأى العقل في مقام الحقيقة على بساط القربة الآمنة وقال في جوابه: { إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ } [الأعراف: 155] أضاف الفتنة والإضلال إليه تعالى مراعياً حق الحقيقة، ولمَّا رجع إلى قومه نبياً مرسلاً رأى الوسائط، وأحال فعل الشر إليهم مراعياً حق الشريعة، فإنه قد بعث إلى الخلق للهداية بأن يخرجهم من ظلمات الطبيعة على قدم الشريعة إلى نور الحقيقة.
{قَالَ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ} [طه: 92] عن صراط عبودية الله تعالى بضلالة عبودية العجل {أَلاَّ تَتَّبِعَنِ} [طه: 93] فتجزني لأرجع عليهم لئلا يقعوا في هلاك هذه الفتنة {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه: 93] كما عصى هؤلاء القوم أمري وأمر الله، فلمَّا رأى هارون أن موسى رجع من تلك الحضرة سكران الشوق ملآن الذوق وفيه نخوة القربة والاصطفاء فما وسعه إلا التواضع والخشوع فقال: {قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} [طه: 94] لمعيين: أحدهما: لتأخذه رأفة صلة الرحم فيسكن غضبه، والثاني: ليذكره بذكر أم الحالة التي وقعت له في الميقات حين سأل ربه الرؤية
{ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً } [الأعراف: 143] وجاءه الملائكة في حال تلك الصعقة يجرونه برأسه: يا ابن النساء الحائض بالتراب ورب الأرباب أتطمع رؤية رب العزة.
وقوله تعالى: {إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ} [طه: 94] بخروجك من بينهم. {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه: 94] يعني: منعني ترقب قولك وطاعة أمرك عن أتباعك لا عصيان أمرك، ثم {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ} [طه: 95] ما حملك على الذي فعلت {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ} [طه: 96] يعني: خصصت بكرامة فيما رأيت أثر فرس جبرائيل، وألهمت بأن أنشأنا ما خص بها أحد منكم فقبضت قبضة {فَنَبَذْتُهَا} [طه: 96] يشير بهذا المعنى إلى أن الكرامة لأهل الكرامة كرامة، ولأهل الغرامة استدراج، والفرق بين الفريقين: أن أهل الكرامة يصرفونها في الحق والحقيقة، وأهل الغرامة يصرفونها في الباطن والطبيعة، كما أن الله تعالى أنطق السامري بنيته الفاسدة الباطلة بقوله: {وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} [طه: 96] أي: لشقاوتي ومحنتي.
{قَالَ} [طه: 97] موسى عليه السلام مكافئاً له: {فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ} [طه: 97] يشير به إلى أن قصدك ونيتك فيما سولت لك نفسك أن تكون مطاعاً متبوعاً آلفاً مألوفاً، فجزاؤك في الدنيا أن تكون طريداً وحيداً مقتاً ممقوتاً متشرداً منتفراً، تقول لمكن رآك لا تمسني، ولا أمسك فنهلك {وَإِنَّ لَكَ} [طه: 97] يا سامري {مَوْعِداً} [طه: 97] للهلاك والعذاب لمن تخلف في الدنيا والآخرة {وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً} [طه: 97] وفيه إشارة إلى عبادة عجل النفس والهوى، فإنهم
{ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } [الأنبياء: 98] منسوفون في بحر القهر نسفا لا خلاص لهم منه إلى الأبد.
وفي قوله تعالى: {إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ} [طه: 98] معبوداً ولا خالقاً {إِلاَّ هُوَ} [طه: 98] إشارة إلى من يعبد إلهاً دونه يحرقه بالنار نار القطيعة، وينسفه في بحر القهر إلى أبد الآباد {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} [طه: 98] فعلم استحقاق كل عبد للطف أو للقهر {كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً} [طه: 99] إذ أنزل القرآن على قلبك.
ثم أخبر عن الاعتراض على أهل الإعراض بقوله تعالى، [والمحققين) معي إلى الحضرة كما هو من خصائص الأنبياء من قبلي، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" أي: في صدق الحق بالإعراض عن الكونين والتوجه إلى الله تعالى
{ بَلْ أَكْثَرُهُمْ } [الأنبياء: 24] أكثر الخلق من مدعي الإسلام { لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ } [الأنبياء: 24] من الباطل { فَهُمْ مُّعْرِضُونَ } [الأنبياء: 24] عن الحق ومتبوعون الباطل من أهل الأهواء والبدع وعبدة الهوى والدنيا. { { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ * وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ } [الأنبياء: 25-29].
ثم أخبر عن أهل الحق وقول الصدق بقوله تعالى:
{ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ } [الأنبياء: 25] يشير إلى أن الحكمة في بعث جميع الأنبياء والرسل مقصورة على هاتين المصلحتين وهما: إثبات وحدانية الله تعالى، وتعبده بالإخلاص؛ لتكون فائدة تلك المصلحتين راجعة إلى العباد لا إلى الله تعالى، كما قال الله تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [الذاريات: 56] أي: ليعرفوني وهي مختصة بالإنسان دون سائر المخلوقات؛ لأنها حقيقة الأمانة التي قال الله تعالى: { إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ } [الأحزاب: 72]، فافهم جيداً.
ثم أخبر عمَّن لم يقبل الدعوة من الأنبياء، ولم يعبد الله ليعرفه فبقي في تيه الضلالة فنسب قوم بجهالتهم وضلالتهم الولد إلى الله تعالى
{ وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ } [الأنبياء: 26] يعني: قالوا: الملائكة بنات الله، فالله تعالى نزه ذاته عن هذا الوضع فقال: { بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } [الأنبياء: 26] يعنيك الملائكة.
ثم أخبر عن حقيقة إكرامهم بقوله تعالى:
{ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ } [الأنبياء: 27] يشير إلى أنهم منزهون عن الاحتياج بمأكول أو مشروب أو ملبوس ومنكوح، وبنا يدفع عنهم الحر والبرد، وأمَّا [من] ابتلاهم الله تعالى بالأمراض والعلل والآفات، فيسبقون الله بالقول يستدعون منه دفعها وإزالتها والخلاص منها بالتضرع والابتهال، وكذلك ما ابتلاهم الله تعالى بطبيعة تخالف أوامر الله تعالى، فيمكن منهم خلاف ما يؤمرون فقال الله تعالى: { وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } [الأنبياء: 27] نظيره قوله عز وجل: { لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم: 6] ولعمري إنهم وإن كانوا مكرمين بهذه الخصال، فإن بني آدم في سر: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ } [الإسراء: 70] المكرمون منهم بكرامات أكبر منها درجة وأرفع منها منزلة؛ وذلك لأنهم ما خلقوا محتاجين إلى ما لا يحتاج إليه الملائكة بالكرامتين اللتين لم يكرم بهما الملائكة: فأحدهما: الرجوع إلى الله مضطرين فيما يحتاجون إليه، فأكرموا بكرامة الدعاء، والإجابة بقوله تعالى: { أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ } [النمل: 62] على أنهم في ذلك { لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ } [الأنبياء: 27] كالملائكة.