التفاسير

< >
عرض

بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ
١٨
وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ
١٩
يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ
٢٠
أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ
٢١
لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
٢٢
لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ
٢٣
أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ فَهُمْ مُّعْرِضُونَ
٢٤
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ
٢٥
وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ
٢٦
لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
٢٧
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ
٢٨
وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ
٢٩
-الأنبياء

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن حاصل الباطل بقوله تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ} [الأنبياء: 18] يشير إلى أن للحق ثلاث مراتب، وكذا للباطل مرتبة أفعال الحق، ومرتبة صفات الحق، ومرتبة ذات الحق تبارك وتعالى؛ فأمَّا أفعال الحق فهي: أمر الله به العباد فيه يدفع باطل ما نهى الله عنه، وأمَّا صفات الحق فبتجليها يدمغ باطل صفات العبد، وأنا ذات الحق تعالى فإذا تجلى بذاته يدمغ باطل جميع الذوات كما قال الله تعالى: { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } [القصص: 88] ويدل عليه قوله تعالى: { وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً } [الإسراء: 81].
وقوله تعالى: {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء: 18] ولعل من قال: أنا الحق إنما قال عند تجلي ذات الحق أو صفته الحقيقية تعالى لذاته الباطل فإذا زهق باطل ذاته عند مجيئه فأخبر الحق عن ذاته بلسان الصفة بصفة الحق فقال: "أنا الحق" {وَلَكُمُ} [الأنبياء: 18] يا أهل الوجود المجازي الباطل {ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18] به وجود حقيقي الحق تعالى مما يليق بأهل الوجود المجازي الباطل {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [الأنبياء: 19] خلقاً وإيجاداً واستيعاداً {وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} [الأنبياء: 19] بل يتفاخرون بعبوديته {وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ} [الأنبياء: 19] لا يملون ولا يسأمون.
{يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ} [الأنبياء: 20] أي: ينزهون عن وصمة الحدوث {لاَ يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 20] عن العبادة والتنزيه والتقديس طرفة عين؛ لأنهم يعيشون بها كما يعيش الإنسان بالنفس، وبقوله تعالى: {أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ} [الأنبياء: 21] أي: الدواعي المنشأة من أرض البشرية وهوى النفس {هُمْ يُنشِرُونَ} [الأنبياء: 21] يحيون القلب الميت، بل الله المحي والمميت يحيي القلوب الميتة بنور ذكره وطاعته.
وبقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] يشير إلى: سماء الروحانية وأرض البشرية؛ أي: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ} أي مدبرات مثل: العقل في سماء الروحانية، والهوى في أرض البشرية غير هداية الله بواسطة الأنبياء والشرائع. {لَفَسَدَتَا} كما فسدت بتدبير العقل والهوى سماء روحانية الفلاسفة والطبائعية والدهرية والإباحية والملاحدة وأرض بشريتهم؛ فأمَّا فساد سماء أرواحهم: فبأن زلَّت أقدامهم عن جادة التوحيد وصراط الوحدانية حتى أثبتوا لله الواحد القهار شريكاً قديماً وهو العالم، فلم يقبلوا دعوة الأنبياء، ولم يهتدوا بهداية الحق، وأمَّا ارض بشريتهم،: فبأن زلَّت قدمهم عن جادة العبودية وصراط الشريعة، والمتابعة حتى عبدوا طاغوت الهوى والشيطان وآل أمر فساد حالهم إلى أن قال الله فيهم:
{ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } [البقرة: 18].
وأمَّا تفسير قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] في الظاهر فهو أن وجود الإلهية لا يخلوا إمَّا أن يكون حالهم كلهم متساوين في الألوهية وكمال القدرة، أو بعضهم كاملاً، أو بعضهم ناقصاً.
* وإمَّا أن يكون كلهم ناقصاً: يحتاج بعضهم إلى بعض في الألوهية، فأمَّا التساوي في الكمالية فموجب أن يكون كل واحد منهم عبثاً لاستغناء الكامل من الناقص الآخرين عنه والمستغنى عنه لا يصلح للإلهية.
* وإمَّا كمالية بعضهم وناقصية بعضهم: تقتضي استغناء الكامل عن الناقص، فالناقص لا يصلح للإلهية، وأمَّا الناقصون الذين محتاجون إلى إعانة بعضهم لبعض فلا يصلحون للإلهية؛ لأنهم محتاجون إلى مكمل واحد مستغن عمَّا سواه، أو هو الواحد الصمد الغني عمَّا سواه وما سواه محتاج إليه، ولو كان فيهما آلهة لفسدتا؛ لعدم مدبر كامل في إلهية أخرى في المدبرية.
{فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ} [الأنبياء: 22] فنزَّه الله نفسه عن العجز والاحتياج لغيره في الإلهية، وأثبت أنه خالق العرش الذي يفيض الرحمانية إلى المكونات؛ لنفي الإلهية عن غيره منزهاً {عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: 22] باحتياجه إلى العرش أو لآلهة أخرى في الإلهية {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء: 23] لأن أفعاله مبنية على القدرة الكاملة والحكمة البالغة فلا مساغ لسؤال سائل فيهما لم فعلت {وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] فيما يفعلون؛ لأن السؤال في أفعالهم مساغاً؛ لأن مصدرها الظلومية والجهولية.
{أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً} [الأنبياء: 24] بالدليل والبرهان {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} [الأنبياء: 24] أي: لا يمكن إثبات آلهة أخرى بالبرهان كما قال تعالى:
{ وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ } [المؤمنون: 117] وبقوله تعالى: {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي} [الأنبياء: 24] يشير إلى أن إثبات الربانية بالتحقيق، وكشف العيان من خصوصية العلماء المحققين من أمتي الذين هم معي في سير المقامات وقطع المنازل، فإن الله تعالى قد ندبهم بكلام أزلي إلى الدعاء، ووعد عليهم الاستجابة بقوله تعالى: { ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [غافر: 60] فلهم الشركة مع الملائكة في قوله تعالى: { لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } [الأنبياء: 27] لأنهم بأمره دعوة عند رفع الحاجات إليه.
وكذلك أثنى عليهم بقوله تعالى:
{ تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ } [السجدة: 16] الملائكة بكرامة الدنيا والاستجابة، وهذه مرتبة الخواص من بني آدم في الدعاء، وأمر مرتبة أخص خواصهم أنهم يدعون ربهم لا خوفاً ولا طمعاً، بل محبة منهم وشوقاً إلى وجهه الكريم، كما قال الله تعالى: { يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } [الأنعام: 52] وهذه هي الكرامة الثانية من نتائج الاحتياج حتى لم يبق شيء من المخلوقات وخلقها إلا كانوا محتاجين بخلاف مخلوق آخر، فإن لكل مخلوق استعداداً في الاحتياج يناسب حال جبلته التي جبل عليها، وكل مخلوق يفتقر إلى خالقه بنوع ما ويفتقر إليه بنو آدم من جميع الوجوه، وهذا سر يقوله قوله تعالى: { وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ } [محمد: 38] أي: كما ذاته وصفاته استوعبت الغنى، كذلك ذواتهم وصفاتهم استوعبت الفقر، فأكرمهم الله تعالى بعلم أسماء ما كانوا محتاجين إليه كلها، ووفقهم للسؤال عنه، وأنعم عليهم بالإجابة فقال: { وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } [إبراهيم: 34] وعد ذلك من النعمة التي لا نهاية لها، وكرامة لا كرامة فوقها بقوله تعالى: { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } [إبراهيم: 34].
وبقوله:
{ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } [طه: 110] يشير إلى أنه تعالى يعلم ما بين أيديهم الملائكة من خجالة قولهم: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } [البقرة: 30] فإن فيه نوع من الاعتراض، ونوع من الغيبة، ونوع من العجب حتى عيرهم الله تعالى فيما قالوا، وقال: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] يعني: يعلم منه استحقاق المسجودية لكم، والله أعلم منكم الساجدين له وما خلقهم؛ أي: ما يأمرهم بالسجود والاستغفار لمن في الأرض؛ يعني: المعتابين من أولاده؛ ليكون كفارة لما صدر منهم في حقهم.
{وَلاَ يَشْفَعُونَ} [الأنبياء: 28] في الاستغفار {إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ} [الأنبياء: 28] يعني: الله تعالى من أهل المغفرة {وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28] أي: من خشية الله وسطوة جلاله خائفون ألاَّ يعفو عنهم ما قالوا ويأخذهم به ويقولوا لنا {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ} [الأنبياء: 29] يعني: من الملائكة.
{مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 29] يشير إلى أنه ليس للملك استعداد الاتصاف بصفات الألوهية، ولو أن هذه المرتبة جزاؤهم جهنم البعد والطرد والتعذيب كما كان إبليس، وبه يشير إلى أن الاتصاف بصفات الألوهية مرتبة بني آدم كما قال صلى الله عليه وسلم:
"تخلقوا بأخلاق الله" ، وقال عنوان كتاب الله إلى أوليائه يوم القيامة: من الملك الحي الذي لا يموت إلى الملك الحي الذي لا يموت، فافهم جيداً.
{كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 29] يعني: الذين يضعون الأشياء في غير موضعها كأهل الرياء والسمعة والشرك الخفي والجلي.