التفاسير

< >
عرض

وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ
٧٨
وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
٧٩
وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
٨٠
بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ
٨١
قَالُوۤاْ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
٨٢
لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ
٨٣
قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
٨٤
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ
٨٥
قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ
٨٦
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ
٨٧
-المؤمنون

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن إنعامه العظيم وإفضاله العميم بقوله: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [المؤمنون: 78] يُشير إلى ثلاثة معانٍ:
أحدها: إظهار أنعامه العظيمة بهذه النعمة الجسيمة من السمع والأبصار والأفئدة.
ثانيها: مطالبة العباد بالشكر على هذه النعمة.
وثالثها: الشكاية عن العباد أن الشاكر منهم قليل، كما قال تعالى:
{ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ } [سبأ: 13]، وشكر هذه النعم في استعمالها في طلحة المعم وعبودية، فشكر السمع: حفظاً عن استماع المنهيات وأن لا يسمع إلا لله وبالله وإلى الله، وشكر القلب: تصفيته عن درن الأخلاق الذميمة وقطع تعلقه عن الكونين ولا يشهد غير لله ولا يحب إلا الله.
وبقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المؤمنون: 79] يشير إلى أن المحادثات من الله بدت وإليه تعود وليس لشيء إمكان الرجوع إلى الحضرة إلا الإنسان ودليله قوله تعالى:
{ ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ } [الفجر: 28] {وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي} [المؤمنون: 80] قلوب عباده بنور من الله وتأييد روح منه ليصلح للرجوع إلى الحضرة وعبث النفوس من صفاتها الذميمة لئلا يزاحم القلب بتكدير صفاته وتدنيسه برين مكاسبها فإنه يمرضه ويمنعه عن الرجوع إلى الحضرة، وأيضاً يحيي بعض النفوس باستيفاء شهواتها واتباع هواها {وَيُمِيتُ} بعض القلوب باستيلاء ظلمات صفات النفوس عليها فإن سم قاتل للقلوب {وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [المؤمنون: 80] اختلاف ليالي المحبين قصارهن مع الهموم طويلة وطوالهن مع السرور قصار لا إلى ونهارهم في قصر ليالي الفراق وطول نهار الوصال، وعلى مثل هذا في معاني الستر والتجلي {بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ} [المؤمنون: 81] من غاية الغفلة ونهاية الضلالة.
{قَالُوۤاْ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} [المؤمنون: 82] وإنهم لفي غفلة عما يميت القلوب ويحييها، ويميت النفوس ويحييها كما يميت الأرض كل حسنة ثم يحييها، فيقيسوا البعث والنشور على ذلك بل قالوا بجهلهم وعمى قلوبهم {لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 83] فيه إشارة إلى أن الناس كلهم أهل التقليد من المتقدمين والمتأخرين إلا من هداه الله نور الإيمان إلى التصديق بالتحقيق فإنه المتأخرين هاهنا يقلدون آباءهم المتقدمين في تكذيب الأنبياء والجحود وإنكار البعث.
ثم استدل بقوله تعالى: {قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} [المؤمنون: 84-85] بأن الذي هو قادر على الإبراء والإماتة يكون قادراً على الإحياء والإعادة فلا تقلدوا جهالة آبائكم {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} [المؤمنون: 86-87] فيجتنبون التقليد وبهذا استدل على جهلهم وضلالتهم ليكن حجة عليهم.