التفاسير

< >
عرض

وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
٤٦
وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
٤٧
فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لَوْلاۤ أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ
٤٨
قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
٤٩
فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ
٥٠
-القصص

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

كما قال: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا} [القصص: 46] يعني حين سأل موسى ربه: إني أرى في التوراة أمة صفتهم كذا وكذا من هم؟ فقال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم حتى سأل عن أوصاف كثيرة وعن الجميع كان يجيب أنه أمة محمد فاشتاق موسى إلى لقائهم فقال: إنه ليس اليوم وقت ظهورهم فإن شئت أسمعتك كلامهم كما مر ذكره ثم نادى فقال: يا أمة محمد فيه إشارة لطيفة وهي أن الله عز وجل لكرامة محمد صلى الله عليه وسلم وشرفه أخذ الميثاق من موسى للإيمان به في غيبته وفي حضور موسى ما نادى محمداً لأجله بل نادى أمته له ومن عليه باستماع كلامهم إياه وكما نادى موسى في الوجود حاضراً نادى أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهم في العدم غائبين فهو كائن لهم حين لم يكونوا لأنفسهم كما قيل:

كُنْ لي كما كُنْتَ في حالِ لم أكُنِ

وبقوله {وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} يشير إلى أن ما أنعمنا به عليك وعلى أمتك في النداء بجانب الطور مباهاة بك وبأمتك على موسى وأمته لم يكن لكسبكم وسعيكم فيه مساعاً، ولكن كان رحمة خاصة من ربك أي: من كرم ربك ونعمة عليك وعلى أمتك ومن نتائج تلك الرحمة أنه لو لم أسمعهم ندائي وأمتك في العدم بلا هم لم استعدوا لقبول إنذار أمر دعوتك لهم إلى التوحيد في الوجود إذ لم يكونوا متعودين بدعوة الأنبياء ولا بقبول دعوتهم وذلك قوله: {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 46] يعني: يتذكرون من خلاصة استماع نجائنا واستعداد أجابتنا فيما ناديناهم وإنما أفردهم بالنداء دون محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا محتاجين إلى تصرف خصوصية النداء فيهم لا محمد صلى الله عليه وسلم لكمال استعداده الفطري بخصوصية حبيب الإلهية.
ثم قال: {وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ} [القصص: 47] أي: مصيبة الجحود في قبول الدعوة إلى التوحيد {فَيَقُولُواْ} بلسان الحال {رَبَّنَا لَوْلاۤ} أي: هلا {أَرْسَلْتَ} نداءك {إِلَيْنَا} أي: إلى أسماعنا ونحن في العدم نستعد لقبول الدعوة في الوجود {فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ} في قبول دعوة نبيك {وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} الذين جعلتهم مستعدين للإيمان وقبول الدعوة وهم في العدم وجواب {لَوْلاۤ} محذوف تقديره لولا أن تقتضي العناية الأزلية في حق هذه الأمة دفع حجتهم علينا ما ناديناهم وهم في العدم وما أٍمعناهم نداءنا ولم نوفقهم وهم بلا هم لإجابة ندانا ثم أخبر عمن لم تدركهم العناية في البداية بقوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ} [القصص: 48].
والإشارة في تحقيق الآيات بقوله {فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا} [القصص: 48] يشير إلى محمد صلى الله عليه وسلم إنما بعث بعد وصوله إلى مقام العندية واستحقاقه أن يسميه الله الحق وهو اسمه تعالى وتقدس ففيه إشارة إلى كمال فنائه عن أنانيته وبقائه بهوية الحق تعالى وله صلى الله عليه وسلم أن يقول: أنا الحق وإن صدرت هذه الكلمة عن بعض متابعيه فلا عدوان أن يكون من كان صفاته مرآة قلبه في قبول عكس ولاية النبوة إذ كانت محاذي لمرآة قلبه صلى الله عليه وسلم فكان منبع ماء هذه الحقيقة قلب محمد صلى الله عليه وسلم وظهره لسان هذا القائل بتبعيته
{ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } [الأحزاب: 21].
وبقوله: {قَالُواْ لَوْلاۤ أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ} [القصص: 48] يشير على أنهم لما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم احتجبوا بكفرهم عن رؤية كماليته وإلا لقالوا: أوتي موسى مثل ما أوتي محمد من الكمالات في القربة والمعرفة والمحبة والفضائل السنية التي فضله الله بها على جميع الأنبياء والمرسلين والمقام المحمود الذي خصه به ثم قال: {مُوسَىٰ أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} [القصص: 48] أي: من قبل أن يكفروا بمحمد، فكان كفرهم بمحمد ثمرة بذر كفرهم بموسى عليهما السلام فقالوا: {سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} [القصص: 48] أي: يعاون بعضهم بعضاً في تمشية السحر {وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} [القصص: 48] أي: بكلية وجودنا بالكلية، فلم يبق منها موضع إلا وقد وصلت ظلمة الكفر إليه، وهذا معنى الختم الذي ذكره الله بقوله:
{ خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ } [البقرة: 7] وكذلك هو الدين الذي قال تعالى: { كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } [المطففين: 14].
وبقوله: {قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [القصص: 49] يُشير إلى أن من كان مرجوعه إلى الله متقرباً إليه فإن الله على تعينه: "من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً" يفتح عليه أبواب فضله وكرمه، ويلهمه حقائق العلوم وأسرارها ودقائقها ويكشف له معان ولطائف، وإن كان من الغيب ما لا يحتمل أن يسمع خطاب الحق تعالى بلا واسطة أو يكلمه صريحاً، فمن لم يكن له هذه الرتبة عند الله ولم يكاشف بنوع من هذه المقامات فإنه محجوب عن الحضرة بهوى نفسه تدل عليه {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ} [القصص: 50] أي بإتيان نوع مما ذكرنا {فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ} [القصص: 50] وفي قوله: {قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ} [القصص: 49]، إشارة أخرى وهي أن لو كان لطالب صادق ومريد حاذق شيخ يقتدي به وله شأن مع الله ثم استعد بشيخ كمثله كامل هو أهدى إلى الله منه وجب عليه اتباعه والتمسك بذيل إرادته حتى يتم أمره ولو تجدد له في أثناء السلوك هذا الاستعداد بشيخ آخر كما من الأول والثاني هلم جرا يجب اتباعه إلى أن يظفر بالمقصود الحقيقي وهو الوصول إلى الحضرة بلا اتصال وانفصال.
وبقوله: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ ٱللَّهِ} [القصص: 50] يشير إلى أن أهل الحسبان لو لم يعدوهم الذين يحسبون أنهم لو جاهدوا أنفسهم على ما دلهم به العقل بغير هدى من الله أي بغير متابعة الأنبياء - عليهم السلام - أنهم يهتدون إلى الله ولا يعلمون أن من يجاهد نفسه في عبودية الله بدلالة بالعقل دون متابعة الأنبياء هو بتابعيه هواه ولا يتخلص أحد عن أسر الهوى بمجرد العقل دون متابعة الأنبياء هو بتابعية هواه ولا يتخلص أحد عن أسر الهوى بمجرد العقل فلا تكون عبادته مقبولة إذ هي مشوبة بالهوى ولا يهتدي أحد إلى الله بغير هدى من الله كما أن نبينا صلى الله عليه وسلم مع كمال قدرته في النبوة والرسالة احتاج في الاهتداء إلى متابعة الأنبياء كما قال تعالى:
{ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } [الأنعام: 90] ولهذا السر بعث الأنبياء واحتاج المريد للشيخ المهتدي وإلى الله يهدي من الله وهو المتابعة {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [القصص: 50] وهم الذين وصفوا متابعة الهوى في موضع متابعة الأنبياء وطلبوا لهداية عن غير موضعها.