التفاسير

< >
عرض

قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ
١٣
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ
١٤
قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ
١٥
ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ
١٦
ٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْمُنْفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ
١٧
-آل عمران

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن برهان ما ادعى من الأمر فيما غلبوا يوم بدر بقوله تعالى: {ثم قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 13]، إِشارة في الآية: إن الله تعالى {فِئَتَيْنِ} [آل عمران: 13]، في الظاهر من المؤمن والكافر، وفئتين في الباطن من القلب وصفاته الحميدة، {وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ} [آل عمران: 13]؛ وهي النفس الأمارة بالسوء وصفاتها الذميمة، ولهم الحرب والالتقاء على الدوام؛ وهو الجهاد الأكبر، فتارة يؤيد الله تعالى فئة القلب بالنصر ويريهم في أعين فئة النفس كثير، {يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ} [آل عمران: 13]، وتارة يؤيد فئة النفس بالنصر فيريهم في أعين فئة القلب كثيراً، {يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ} [آل عمران: 13]، من القلب وجنوده وهم: الروح والسر والأوصاف الحميدة والملائكة، ومن النفس وأعوانها وهم: الهوى والدنيا والأوصاف الذميمة والشياطين و{آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا} [آل عمران: 13]، أن لو كان المنصور فيه القلب والمغلوب في النفس، { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } [القمر: 45]، لا ترى النفس في فئتها إلا قليلاً، ينهزم الشيطان والدنيا والهوى فلا يبقى مع النفس من جنودها وأعوانها، إلا بعض أوصافها، فينظرون إلى جنود القلب مجتمعين تائبين يقاتلون في سبيل الله، { كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ } [الصف: 4]، {يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ} [آل عمران: 13]، ولو كان المنصور فئة النفس والمغلوب فئة القلب، لا يرى القلب من فئة إلا قليلاً من أوصافه، فينظرون إلى أعوان النفس، {يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ} [آل عمران: 13]؛ لأن الهوى والدنيا والشياطين أوصاف النفس، {يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ} [آل عمران: 13]؛ لأن الهوى والدنيا والشياطين أوصاف النفس مجتمعون ثابتون مع النفس في قتال القلب، إن الله تعالى وقضائه { وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ } [البقرة: 253] وفق المشيئة { وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } [البقرة: 253]، {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً} [آل عمران: 13]، من رؤية الحق في الأحكام الأزلية وأجزائها على وفق المشيئة {لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} [آل عمران: 13]، المؤيدة بصائرهم بأنوار {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} [فصلت: 53].
ثم أخبر عن جنود الفئتين وأعوان الفرقتين بقوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ} [آل عمران: 14]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى خلق الخلق على طبقات ثلاث:
عوام وهم: أرباب النفوس، والغالب عليهم الهوى والشهوات، والخواص وهم: أرباب القلوب، والغالب عليهم الهدى والتقوى، وخواص الخواص وهم: أرباب القلوب عليهم المحبة والشوق، وإن الله تعالى يذكر كل صنف منهم باسم يناسب أحوالهم، فيذكر العوام باسم الناس، كقوله تعالى:
{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ } [الحجرات: 13]، وقوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 14]، والناس مشتق من النسيان، ويذكر الخواص باسم المؤمن { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ } [آل عمران: 100]، وقوله تعالى: والمؤمنون { وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ } [البقرة: 285]، ويذكر خواص الخواص باسم الولي، كقوله تعالى: { أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [يونس: 62].
ثم شرح أحوال العوام المردودين إلى أسفل دركات البعد، المطرودين من أعلى الدرجات القرب بقوله تعالى: {لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ...} [آل عمران: 14]، الآية.
ثم اعلم أن لجهنم سبع دركات محفوفة، كما قال صلى الله عليه وسلم:
"حفت النار بالشهوات" ، والشهوات سبع لكل دركة شهوة، فإذا ابتلي المرء بشهوة منها يكون من أهل دركة منها، والشهوات السبع ما عده الله تعالى في هذه الآية، إشارة بكل واحد منها إلى شهوة بقوله تعالى: {مِنَ ٱلنِّسَاءِ} [آل عمران: 14]، وهي شهوة الفرج، {وَٱلْبَنِينَ} [آل عمران: 14]، وهي شهوة الطبيعة الحيوانية المائلة إلى الولد، {وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ} [آل عمران: 14]، وهي شهوة الحرص على جميع المال، {وَٱلْفِضَّةِ} [آل عمران: 14]، وهي شهوة الزينة بالحلي والأواني المتخذة منها، {وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ} [آل عمران: 14]، وهي شهوة الجاه والرفعة بالركوب عليها، {وَٱلأَنْعَامِ} [آل عمران: 14]، وهي شهوة الخيلاء بالتمايل بها، {وَٱلْحَرْثِ} [آل عمران: 14]، وهي شهوة الحكم والأوامر والنواهي على الرعايا، فهذه سبع شهوات خفت سبع دركات النار بها، {ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا [آل عمران: 14]؛ يعني: متمتعان أهل الدنيا الذين يأكلون الدنيا { كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ } [محمد: 12].
ثم شرح أحوال الخواص وخواصهم المقبولين بقبول العناية المجذوبين عن شهوات نفوسهم، والطبائع الحيوانية بجذبات الهداية الربانية بقوله تعالى: {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ} [آل عمران: 14]، {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ} [آل عمران: 15]؛ يعني: قل لأرباب النفوس المتمتعين بالحياة الفانية أنبتكم بخير من ذلكم مما أنتم فيه {لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا} [آل عمران: 15]، حذروا واحترزوا من الشهوات والشبهات وما يشغلهم من الله تعالى؛ وهم الخواص {عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ} [آل عمران: 15]، فكما أن لأرباب النفوس، فعصيان الشهوات النفسانية سوء حظ من دركات الجحيم عاجلاً، ثم يصلونها عاجلاً، كما قال تعالى:
{ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ } [الأنفطار: 14]؛ يعني: الآن عاجلاً، { وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ } [الانفطار: 16] اليوم، فكذلك لأرباب القلوب بغلبات الأخلاق الروحانية حسن حظ من درجات الجنات ونعيمها عاجلاً، ثم يدخلونها أجلاً، كما قال تعالى: { إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ } [المطففين: 22]؛ يعني: الآن عاجلاً النعيم الذي يتمتعون به أرباب القلوب ثمانية، وقد ذكرها الله تعالى في الآيتين وما بعدها وهي الإيمان بقوله تعالى: {رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا} [آل عمران: 16]، والتقوى؛ لقوله تعالى: {ٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْمُنْفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ} [آل عمران: 17]، والطاعة؛ لقوله تعالى: {وَٱلْقَانِتِينَ} [آل عمران: 17]؛ أي: المطيعين، والإنفاق في طاعة الله؛ لقوله تعالى: {وَٱلْمُنْفِقِينَ} [آل عمران: 17]، والاستغفار بقوله تعالى: {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ} [آل عمران: 17]، والرضاء بالقضاء بقوله تعالى: { وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ } [التوبة: 72]، هذه جنات في قلوب الخواص {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} [آل عمران: 15]، الألطاف واردات ترد على القلوب، فيسقي بها جنات الأخلاق الجنات {وَأَزْوَاجٌ} [آل عمران: 15]، من نظرات الحق، {مُّطَهَّرَةٌ} [آل عمران: 15]، من الحدوث من كل حدث، كما قال تعالى: { وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً } [الإنسان: 21]، فمن تلك الأزواج المطهرة تتولد الأخلاق المطهرة.
ثم أشار إلى أحوال خواص الخواص، مستورة من نظر الخواص محفوظة من فهم العوام؛ لقوله تعالى: {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ} [آل عمران: 14]؛ يعني: لأرباب الأرواح جذبهم عنهم بجذبات المحبة، فما استحلوا لهم الدنيا ليسكنوا فيها، كما قال تعالى:
{ ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ } [الشورى: 13]، قال تعالى: { فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآباً } [النبأ: 39]، {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} [آل عمران: 15]؛ أي: بعوامِّهم ومثواهم، وخواصهم ومآبهم، وخواص خواصهم ومآبهم، ورجعتم كما قال تعالى: { إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ } [العلق: 8]، فافهم جيداً.
ثم أخبر عن أقوالهم من نتائج أحوال بقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} [آل عمران: 16]، إشارة في الآيتين: إن {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا} [آل عمران: 16]، ما هم من
{ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ } [آل عمران: 136] بل إنما هم من { ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا } [فصلت: 30] بأفواههم، { ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ } [فصلت: 30]، بقلوبهم على الإيمان، {ٱلصَّابِرِينَ} [آل عمران: 17]، على حقوق الإيمان وعن حظوظ الإنسان، {وَٱلصَّادِقِينَ} [آل عمران: 17] بصدق اللسان والأركان والجنان، {وَٱلْقَانِتِينَ} [آل عمران: 17]، لله وبالله في كل زمان ومكان، {وَٱلْمُنْفِقِينَ} [آل عمران: 17]، من وجودهم في الله بقدر الإمكان {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ} [آل عمران: 17]، عما كان منهم كيفما كان، {فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} [آل عمران: 16]،، فأغفر بك عنا ذنوبنا {وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} [آل عمران: 16]، إنابتنا الصابرين بك عنا، {وَٱلصَّادِقِينَ} [آل عمران: 17]، فيك {وَٱلْقَانِتِينَ} [آل عمران: 17]، لك بك {وَٱلْمُنْفِقِينَ} [آل عمران: 17]، منا عليك، {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ} [آل عمران: 17]، عنا عنك.