التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَٱللَّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
١٥٦
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ
١٥٧
وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ
١٥٨
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ
١٥٩
-آل عمران

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن كفر من فزع الغزاة في الحياة والممات بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ} [آل عمران: 156] في الطلب والسير إلى الله، {إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ} [آل عمران: 156]؛ أي: سافروا في البلاد وجحدوا وأنكروا وأرجعوا عن طريق الحق باستهواء الشيطان وغلبة الهوى، وكفروا إشارة في الآيات: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ} [آل عمران: 156]، خطاب {آمَنُواْ} [آل عمران: 156] مع السائرين إلى اللهو لا تكونوا كالذين يستفيدون من المراد وسلكوا في أرض نفوسهم سبيل الرشاد {أَوْ كَانُواْ غُزًّى} [آل عمران: 156]، مجاهدين مع كفاء النفس والهوى والشيطان، {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا} [آل عمران: 156]؛ أي: موافقين معنا في الرفق {مَا مَاتُواْ} [آل عمران: 156] من مقاساة الشدائد، {وَمَا قُتِلُواْ} [آل عمران: 156] رياضة وجهداً، {لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ} [آل عمران: 156] القول {حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 156]؛ أي: قلوب الصديقين، {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 156]، أيها المنكرون في تغيير الصديقين، وأيها الصديقون في الثبات على قدم الصدق في طلب الحق {بَصِيرٌ} [آل عمران: 156]، فيما يجازي الفريقين على قدر الاستحقاق.
{وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 157]، سبيل الرشاد، بسيف الصدق {أَوْ مُتُّمْ} [آل عمران: 157]، عن صفات النفس {لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ} يحبكم الله بتا، {خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران: 157]، أرباب النفوس وأهل الأهواء من أوزان جمع الدنيا والحرص عليها والبخل بها، ومن وبال التنعم والتلذذ بشهواتها، {وَلَئِنْ مُّتُّمْ} [آل عمران: 158] أيها المجاهدون في جهاد النفس، {أَوْ قُتِلْتُمْ} [آل عمران: 158] أيها الصديقون في سبيل الطلب، {لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ} [آل عمران: 158]؛ يعني: حشر المقتول بسيف الصدق والذي ماتت نفسه عن صفاتها، يكون إلى الله لا إلى غيره من الجنة والنار، وإن كان عبورها عليها، كقوله تعالى:
{ إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ } [القمر: 54-55].
ثم أخبر عن لين القلوب أنه برحمته علام الغيوب بقوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159]، إشارة في الآية: إن كل لين يظهر في قلوب المؤمنين بعضهم على بعض، فهو برحمته الله ونتيجة لطفه مع عباده إلا من خصوصية أنفسهم،
{ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ } [يوسف: 53]، وإن كانت نفس الأنبياء - عليهم السلام - حتى قال الله تعالى لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159]؛ يعني: لين قلبك للمؤمنين كان من رحمة الله التي أرسلنا على قلبك إليهم لا من رحمتك، فالله تعالى يمن على النبي صلى الله عليه وسلم بهذا ويقول له: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ} [آل عمران: 159]؛ يعني: ولو كنت باقياً على فظاظة خلقك، وقساوة قلبك قبل أن تشرح صدرك وتغسل قلبك وتنظر إليه بنظر المحبة، ونرسل إليه الرحمة لتلين جمالهم {لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]، تفرقوا عن صحبتك من خشونة قلبك وغلظة فعلك، وقلة صبرك وتحملك على أذاهم، وكما أنك لنت لهم برحمتنا {فَٱعْفُ عَنْهُمْ} [آل عمران: 159] بعفونا، {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [آل عمران: 159] بنغفرتنا، {وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ} [آل عمران: 159]، فإن القلوب للعفو عنها المغفور منورة بصفات عفونا ومغفرتنا، فهو مؤمنة في الإشارة منها فإنها تنظر بنور ربها، وكل قلب ينظر بنور الحق لا يرى إلا الحق فيكون صادقاً فيما يرى، كما قال تعالى: { مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ } [النجم: 11]، فمعناه؛ أي: فشاور أرباب القلوب المنورة الملهمة من الله؛ ليكون رأى قلبك النور بنور الوحي مؤكد بالآراء التي منشأها القلوب المنور بنور الإلهام، فإنه تلو الوحي، نظيره قوله تعالى: { فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ } [يونس: 94].
ثم قال تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ} [آل عمران: 159]؛ يعني: بعد المشاورة لاستصواب الآراء المنورة بنور الوحي والإلهام، {فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} [آل عمران: 159]، لا على تلك الآراء فيما يظهر من الأمور مما تكرهه وتحبه، فإنه أعلم بالصواب منه لم منك، كقوله تعالى:
{ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } [البقرة: 216]، وفيه معنى آخر، فإذا عرفت الخروج من قشر الوجود، فتوكل على الله إلى تفويض أمر قشر الوجود إليه لا تقدر أن تخرج عن نفسك، بل هو الذي يخرجكم عن ظلمة وجودكم المخلوقة إلى نور القدم، كما قال تعالى: { ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ } [البقرة: 257]، وقال تعالى: { يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ } [النور: 35]، والتوكل تفويض الأمور الإلهية التي لا يمكن لغير الله تعالى، {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]، الذين جذبتهم العناية برسن المحبة إلى عزيمة الخروج من حجاب الوجود للوصول إلى المحبوب، ففوضوا أمر إخراج عن الوجود إلى الله تعالى لا سبيل لغيره إليه؛ لأنه هو الذي أخرجهم من العدم إلى الوجود، فهو يخرجهم منه بفضله وكرمه ويهديهم إليه.